ظلت آمال الوحدة بين دول الوطن العربي تداعب خيال المخلصين من ابناء الامة العربية عقوداً طويلة من الزمان حتى ان المؤمنين بالوحدة العربية الشاملة كانوا ـ ومازالوا ـ يحرصون على الادبيات القومية فكانوا يستنكرون ان يقول احد: «الشعوب العربية» اذ يجب ان نقول: الامة العربية، والشعب العربي حتى ان بعضنا عندما يسأله احد عن جنسيته كان يجيب بقوله انه عربي ولد في البلد الفلاني. وشاءت ارادة الشعب العربي في كل من سوريا ومصر ان تقيم دولة الوحدة كنواة للوحدة العربية الشاملة. وبقدر ما تنامت الآمال والاحلام، انفجر غضب الصهاينة ودول الغرب المؤيدة لهم، واعتبروا ان الكيان الصهيوني المغروز في قلب الوطن العربي قد وقع بين فكي كماشة. ومن هنا بدأت المؤامرات حتى نجحت اخيرا في طعن الامل الوليد على يد طغمة من اعداء الوحدة نفذت مؤامرة الانفصال. ومنذ ذلك الحين والآمال تتراوح بين ما سمي آنذاك بوحدة الصف ثم وحدة الهدف دون جدوى حقيقية. والشيء المثير للأسى ان الوحدة العربية تتحقق كل يوم ولكن في عالم الاسماء، فتجد مثلا مواطنا من مصر لقبه المغربي، ومغربيا اسمه المصري، وفلسطينيا اسمه السوداني، ولبنانيا اسمه الصعيدي، وسعوديا اسمه اليماني، وسورياً اسمه طنطاوي مثل الشيخ طنطاوي الداعية الاسلامي السوري الشهير الذي كان يطل علينا من التلفزيون السعودي، وقد تجد كويتيا لقبه العراقي، وتونسيا اسمه الطرابلسي، وليبيا اسمه الشرقاوي، ومصريا اسمه الغزاوي مثل واحد من الممثلين المصريين القدامى اسمه سعد الغزاوي، وفي مصر ايضاً الشامي والبغدادي مثل عبد اللطيف البغدادي نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو. وهناك اسماء كثيرة مشتركة ومنتشرة في العديد من انحاء الوطن العربي مثل لقب جدي «عويس» الذي اتشرف بحمل اسمه، ولما كان من حظي ان اتيحت لي فرصة العيش في عدد من دول الوطن العربي كمراسل لاذاعة صوت العرب، فقد اكتشفت ان ذلك الاسم شائع كثيرا في لبنان وفلسطين والاردن، وهنا في الامارات ولكنه معرف بحرفي الالف واللام وهو لقب الشاعر المرحوم سلطان العويس. واسم «عويس» هذا قتلوه تمثيلا في الافلام والمسلسلات المصرية القديمة والحديثة حتى صار علما يدل على «عويس الفلاح البسيط او الصعيدي الطيب» وتناست الافلام ان ريف مصر وصعيدها انجبا نوابغ واعلاما كبارا في الفكر والسياسة والاقتصاد والفنون. وقد كتبت ذات مرة لاحكي كيف حيرني هذا الاسم طويلا، وكنت اظن انه تصغير لكلمة «عيسى» حتى اتيح لي ذات يوم ان التقي بعميد الادب العربي الدكتور طه حسين لكي احصل على موافقته على اعداد واخراج واحد من كتبه في مسلسل اذاعي، وانتهزت الفرصة وسألته عن الاسم فقال ان تصغير عيسى في اللغة العربية، يجب ان يحافظ على الالف المقصورة فيصبح الاسم «عويسي» اما عويس فذكر انه يرجح ان يكون تصغيرا لكلمة «اوس» لان هناك لهجة في الجزيرة العربية تنطق الهمزة عينا، وهذه اللهجة مازالت موجودة في قرية طه حسين نفسه في صعيد مصر اذ يقولون «الجرعان الكريم» واذن تصبح كلمة اوس في لهجة تلك القبيلة «عوس» وتصغيرها «عويس». ولما عدت الى ذاكرتي بعد لقائي بالاستاذ العميد تذكرت انه يوجد في بلدتنا بصعيد مصر ضريح لاحد اولياء الله الصالحين وهو واحد من التابعين الذين جاء ذكرهم كثيرا في كتب التراث وهو كما ينطقه اهل الصعيد «عويس القرني» ولكنه في كتب التراث يشار اليه باسم «أويس القرني» الذي هاجر الى مصر وعاش في صعيدها الى ان اختاره الله الى جواره. وفي النهاية نتساءل ـ مع المثل الشعبي المصري القديم ـ «إيه اللي جمع الشامي على المغربي؟!» وهذا سؤال كبير يستحق الدراسة.. أليس كذلك؟