نتكلم كثيرا وفي كل لحظة عن مصطلح الهيمنة الاميركية وكأنه تعبير مطلق او مجرد، واعترف انني احد الذين استغرقهم ترديد المصطلح للدرجة التي نسيت فيها احيانا دلالاته وخطورته، وبدأت في التعامل معه باعتباره امرا روتينيا من قبيل تحصيل الحاصل. ومنذ ايام قليلة كنت أمعن النظر في احدى الخرائط العالمية، وللحظة واحدة او برهة ظننت انني اكتشفت ما لم يكتشف من قبل، رغم ان هذا الاكتشاف المزعوم موجود امامي منذ سنوات ومتاح للجميع او هو من قبيل الاشياء البديهية . عندما تصفحت خريطة العالم فجعت ان يد اميركا موجودة في كل بقعة تقريبا بالعالم وعلى من لا يصدق ان يراجع أي خريطة حديثة للعالم الذي نعيش به او على الاقل ان يطالع صحيفة او نشرة اخبار عشوائية في اي يوم من الايام وسوف يصاب بالذهول. في منطقتنا العربية والاسلامية سوف ندهش للدرجة التي نظن فيها ان خلف كل حجر هناك اميركي او يد اميركية وتعالوا نستعرض بسرعة واقع الحال: اذا بدأنا من المحيط الهادر سنجد اميركا هي التي هندست ازمة جزيرة ليلى بين المغرب واسبانيا على طريقتها الخاصة وهي التي تتولى الآن عمليا التعاطي مع ازمة الصحراء الغربية عبر وزير خارجيتها السابق جيمس بيكر، كما ان كلمتها هي العامل الحاسم الان دوليا في الازمة الداخلية بالجزائر بعد ان ازاحت فرنسا عن هذا الملف وازاحتها عن كل افريقيا اما الحصار الذي تعرضت له ليبيا ولاتزال فعنوانه الوحيد هو واشنطن وخلفها تابعتها لندن، وفي السودان لم يتحرك ملف الصراع بين الحكومة والمتمردين الا بعد ان شمت اميركا رائحة البترول هناك كما انها تحاصر الصومال وتعيد ترتيب اوضاعه وتتحكم في ملف الصراع في منطقة البحيرات المرة وفي مصر والاردن فالعلاقات الخاصة بين البلدين واميركا لا تحتاج للاسهاب وفي فلسطين فالمصيبة بدأت ومازالت مستمرة بفعل الانحياز الاميركي لاسرائيل، لكن الجديد القديم هو ان الاخيرة بدأت تفتش السفن الداخلة والخارجة من ميناء العقبة، وفي القاهرة يتدخل السفير الاميركي لدى المجلس المحلي لمحافظة الجيزة كي يغير اسم احد الشوارع، واذا سألت لماذا؟ سوف تصاب بالجنون! وفي باب المندب يتكرر السيناريو نفسه حيث تقوم القوات الاميركية بتفتيش السفن، والامر نفسه في بحر العرب والخليج لاحظوا انه بحر العرب وليس «بحر اميركا» وتقوم هذه القوات باستجواب صيادين ايرانيين وماذا يفعلون. ولا يتوقف الامر عند ذلك فاذا تفحصنا انتشار القوات الاميركية خارج بلادها فسوف نصاب بالذهول مرة اخرى.. فهي موجودة في معظم اراضينا العربية، وبعد حرب افغانستان صارت موجودة في غالبية الارض الاسلامية، وزادت انتشارها لتصل الى الفلبين لمحاربة ابو سياف، ثم وصلت الى جورجيا للمساعدة في محاربة المتمردين، والارهابيين، وهي نفس حجة تواجدها في غالبية بلدان ما يسمى بدول الكومنولث التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق. واصبحت تحاصر روسيا من غالبية الاتجاهات وتزعج الصين عبر علاقتها شديدة الخصوصية مع تايوان. ومن افريقيا واسيا الى اوروبا فقواتها تتواجد هناك بحكم زعامتها لحلف الاطلسي، اما اميركا اللاتينية فهي تتعامل معها باعتبارها الحديقة الخلفية التي لا ينبغي لاحد اللعب فيها واصبح هذا المبدأ شعارا منذ ازمة خليج الخنازير في كوبا وحتى هذه اللحظة ولذلك لا نفاجأ ان يكون عنوان الازمة الاقتصادية في الارجنتين او أورغواي هو واشنطن، اما كولومبيا فان تنصيب الرئيس الجديد تم بحماية طائرة استطلاع أميركية خوفا من المتمردين اليساريين او تجار المخدرات. هل بقي مكان آخر او قارة في العالم لا نجد فيه الاصابع الاميركية؟ استراليا تتحول شيئا فشيئا لتصبح مثل بريطانيا في علاقتها بأميركا. قد يقول قائل ان الحل الوحيد للفكاك من اسر هذه الهيمنة هو ترك كوكب الارض بأكمله والبحث عن كوكب اخر! لكن المفأجاة المحزنة ان اميركا سبقت الجميع الى الفضاء وتتجه الى احتلاله بالكامل وربما العيش فيه بعد ان تدمر كوكبنا بفعل سياستها السياسية والاقتصادية والعسكرية والفضائية. اغلب الظن انه لم يسبق لامبراطورية ما في كل تاريخ العالم القديم والحديث ان تجبرت وتوحشت كما تفعل هذه الامبراطورية الاميركية التي لم تعد تغيب عنها الشمس او القمر او حتى نيازك وشهب الفضاء. اذن ما الحل وكيف نهرب من هذه المصيدة؟ وهل ما نعيشه هو قدر لا فكاك منه؟ الحل بالعمل الجاد والتضحيات الحقيقية لكل دولة او امة تريد ان تعيش بكرامتها. لكن اذا تركنا اميركا تختار رئيسا هنا او زعيما هناك كما تحاول الآن في العراق وفلسطين وكوبا وليبيا وكوريا الشمالية وايران واماكن اخرى كثيرة في العالم فأغلب الظن انه لن يمر وقت طويل حينما تتدخل واشنطن في فض خلافاتنا الزوجية واختيار اسماء اولادنا وتنظيم النسل، وكيفية ادائنا للعبادات وطريقة المأكل والملبس ومتى نبتسم ومتى نكشر وفي اي وقت نذهب الى السرير!! ولا حول ولا قوة الا بالله!