الشعوب والدول مثل الأفراد.. تصاب بنوبات الغرور وقد يتملكها شيطان الخيلاء فإذا بها تخرج على عالمها وعصرها ـ تماما كما يخرج الأفراد على خاصّتهم ومجتمعاتهم ـ وقد صعّروا الخدود وانتفخت منهم الأوداج كبرا وغرورا. ومن عجب أن هذه النوبات من الخيلاء تصيب الأفراد والشعوب في فترات المد والجزر.. فترات اليسر والعسر على السواء.. ألا ترى مثلا الى الشعب الأميركي، وقد تصور إن دانت له الدنيا حين وافت الأنباء بسقوط الغريم السوفييتي اللدود مع مقتبل عقد التسعينيات.. فاذا بالقوم يعلنون وقتها انتصار الرأسمالية المؤزر واذا بهم يدفعون الى مقدمة الصفوف بمفكر أميركي من أصل ياباني هو فوكوياما لكي يطرح على الناس كتابه الشهير الذي أشبعناه قراءة وتحليلا وتفصيلا وكان عنوانه كما لعلك تذكر هو «نهاية التاريخ» ومعناه أن الخصم انتهى والشيوعية اندثرت والرأسمالية ـ الليبرالية التي تقودها أميركا انتصرت وها هي تعلن فوزها بالضربة السياسية ـ العقائدية القاضية.. وبهذا الانتصار ـ أقفلت الدفاتر ورفعت السجلات وجفت الأقلام و.. لم يعد ثمة زيادة ـ كما يقولون ـ لمستزيد.. فقد انتهى التاريخ! لكن أحداث سبتمبر المأساوية من العام الماضي جاءت لتدحض هذه المقولات كلها وكأنما تقول للأخ فوكوياما شخصيا إن التاريخ لم ينته لأن التحديات مستمرة وان بأشكال متغيرة ومن ثم أصبح واجبا بل حتما مقضيا أن يعاود القوم فتح الدفاتر وتأمل مسيرة الأحداث.. ومثلما انتفخت الأوداج بمقولة نهاية التاريخ صعبت أميركا على نفسها.. فعاودت مسيرة الغرور، ربما من باب تعزية النفس ورفعت من يومها شعارا سمعناه بأذننا يتردد في جنبات حياة الأميركان ليل نهار وهو ولا فخر : «نحن ـ الأميركان ـ أعظم أمة ظهرت على وجه الأرض» وبعدها بدأت سلوكيات وفعاليات قوامها أناشيد وأهازيج حول «أميركا الجميلة» ولا بأس من دموع يذرفها المذيعون وكبار الاعلاميين في برامج أحاديث السهرة «توك شو» التي يحرص المشاهد العادي على متابعتها قبل أن يذهب الى فراشه كي ينام. ويصدق على هذه السلوكيات ما اصطلح علماء السيكولوجيا على وصفه بعبارة: «الرثاء الذاتي أو الأسى على النفس». ومرة أخرى فالأفراد يصدق عليهم ما يصدق على الدول: وعندما يفلس التاجر فهو يعمد ـ كما يقول المثل السائر ـ الى التفتيش في دفاتره القديمة.. ومن ثم فعندما يصل مجتمع ما الى هذه الحالة من الرثاء للنفس فهو يعمد الى التنقيب عن مآثره القديمة.. ومن ثم ظل الأميركيون يرددون مقولة أنهم استوعبوا مهاجرين من أركان الأرض الأربعة وهذا صحيح وإن كانت هذه المآثر مهددة بأن تنسخها قوانين جديدة تنال من المبادئ المكرسة في دستور أميركا وأعرافها القانونية وقد تكرست في متنها الأسس التي قامت عليها حقوق الانسان. ولأن أميركا يسيطر عليها هاجس وسطوة الميديا الاعلامية، ولأن هذه السيطرة تقوم في الأساس على خلق الصور النمطية الجامدة والمكرورة، فقد أصبح الفرد الأميركي العادي يتعامل مع أقوام المهاجرين على أساس تلك التصورات الجامدة أو بتعبير آخر تلك المدركات المقولبة التي رسختها في الذهنية الشعبية عناصر التكرار والاستسهال والتبسيط وأحيانا التحيزات والأهواء. في إطار هذه الصور النمطية يضع الأميركي العادي فئة «الواسب» على قمة الهرم الطبقي في أميركا بمعنى الفرد الأبيض ذي الأصل الانجلوسكسوني (من غرب أوروبا) الذي يعتنق المذهب البروتستانتي فيما يقبع للأسف عند أسفل الهرم «الزنوج السود» الفرد الأفروأميركي كما يسمونه في أميركا من باب التهذيب اللفظي ليس إلا.. وبين القمة والسفح الى قاعدة الهرم تتبع منظومة الصور النمطية المغلوطة في كثير من اجزائها عن ذوي الاصل الاسباني القادمين من أميركا الجنوبية بوصفهم أقواما أميين، جهلاء.. متخلفين في معظمهم لا يصلحون سوى للعمل الشاق ـ اليدوي في معظم الأحيان ـ أصحاب الظهور المبتلّة كما يسمونهم ـ خاصة إذا كان مصدرهم هو المكسيك.. وهناك أيضا الايطاليون.. ومهما وصل بعضهم الى أعلى درجات العلم أو مواقع السياسة وصنع القرار ـ فما زالت صورة الايطالي النمطية هي أنه ينتمي الى عصابات المافيا ـ وأنه شخص رومانسي ـ بتاع أغاني وجيتار ومن أكلة الاسباجيتي لا يتحمل المسئولية لأن عقله مع أوبرا كارمن أو ملاعيب فيجارو أو تراجيديا عايدة أو أفلام صوفيا لورين. مؤخرا ـ للأسف الشديد ـ احتل العرب والمسلمون صورة العنف والارهاب وقبلها كانت صورتهم النمطية، يحفها بئر النفط ومقود الجمل وأوتاد خيمة، لا ندري من أين جاءوا بها لا يفارقها الانسان العربي في بوادي الصحراء!... وحين نزلنا لأول مرة بالأصقاع الأميركية كنا نتصور أن مجتمعهم لا يعرف حكاية التفاخر بالأنساب والأرومة والأصول.. وكم كانت دهشتنا حين ظل جيراننا يفاخرون بأنهم ينحدرون من أصل.. أيرلندي.. ورغم أن أيرلندا ـ كما تعرف ـ بلد على قد حاله بين أقطار غرب أوروبا إلا أننا اكتشفنا أن الأيرلنديين يكادون يشكلون أرستقراطية الولايات المتحدة وخاصة بين سكان الساحل الشرقي من نيويورك الى بوسطن وما فيهما. هكذا ينظر الأميركي العادي بإجلال وتوقير الى ذوي الأصل الأيرلندي. ولا ندري إذا كان الأيرلنديون يبادلونهم نفس التوقير والاجلال الذي ندريه أن صاحبنا الكاتب الأيرلندي الساخر برنارد شو كان ينظر الى الأميركان في زمانه بقدر غير قليل من الاستهانة بوصفهم سطحيين ومحدثي نعمة وتاريخ! ولم يكن شو (18561950) يخفي هذه المشاعر بل كان ينشرها على صفحات الجرائد والمجلات السيارة.. وحين دعته إحدى المؤسسات الأميركية الكبرى لزيارة الولايات المتحدة أراد أهلها أن يفشوا غلّهم وينفسوا عن غيظ مكبوت وثأر بايت ضد المسرحي الأيرلندي الزائر.. قرر الصحفيون أن يتجاهلوه فلا يكتبوا عنه ولا يحتفلوا به ولكن.. كيف وبرنارد شو من أعلام عصره في فن المسرح الفكري الساخر؟.. وأخيرا توصلوا الى الحل السعيد فكان أن صدرت الصحف الأميركية بعنوان: «زيارة مهمة» وتحت العنوان سطور تقول: وصلت الى ميناء نيويورك الساعة.... من عصر أمس.. الباخرة كذا.. وكان على متنها شخصية مهمة هي مسز «شو» القادمة من لندن.. وقد حظيت الزائرة الكريمة باستقبال حافل وحار شارك فيه الأدباء والمفكرون والأكاديميون فلان وعلان.. الخ. ومن المعروف أن مسز شو أمامها برنامج حافل حيث تزور أكاديمية الفنون ومسارح برودواي وحيث يقام تكريما لها حفل استقبال كبير في قاعة كارنيجي التذكارية وتشمل جولتها زيارات لمتاحف ولقاءات مع أبرز رجالات الحكم والأدب والسياسة.. الخ.. ملحوظة ـ هكذا جاء في ذيل الخبر ـ علم مندوبنا أن السيدة شو يصحبها في زيارتها لأميركا زوجها ويدعي المستر ج.ب. شو ويقال أنه يشتغل بصناعة الأدب وحرفة التأليف!