بعد سقوط الشاه في ايران عام 1979 وعودة آية الله الخميني الى طهران، كانت الشعارات التي تملاء السماء والطرق في المدن الايرانية، تحمل الكره للولايات المتحدة الأميركية التي اضحت العدو الاول للشعب الايراني والثورة الاسلامية، والسبب في ذلك هو استناد نظام الشاه على الدعم الأميركي المباشر وغير المباشر، حتى ان المخابرات الايرانية سيئة السمعة «السافاك» يتم تدريبها وادارتها من قبل الأميركان، فلم تكن واشنطن تقيم وزنا لشعوب المنطقة بل كانت تركز جل اهتمامها على الانظمة الشمولية الحليفة لها وتهمل الشعوب التي تعاني الكثير من انظمة قاسية لاتعرف الرحمة ولا تعرف معنى للتنمية والرفاهية. بعد ان حدث الذي حدث، التفتت واشنطن الى الخلف لتعرف اخطاءها، فقررت حينها ان لا تكرر ما فعلت مع الشاه، وان تضغط على الانظمة لتحسين سجلها في مجال حقوق الانسان وادخال اصلاحات اقتصادية وسياسية ليطول عمرها وتتحسن صحتها، ولكن هل نجحت في ذلك؟ لا، لم تنجح، بل فشلت في تجربتها هذه فشلا ذريعا، فمازالت دول حليفة لها ترزح تحت اسوأ سجلات لحقوق الانسان عرفها التاريخ المعاصر، ومازالت الحكومة الأميركية تتفادى الضغط على انظمة سيئة السمعة تعتبرها حليفة لها، وحتى لو تدخلت فانها لاتعرف حدود هذا التدخل ولا الاساس الذي تبني عليه احكامها المعلبة مسبقا. الدولة الوحيدة التي انقلبت على واشنطن بين ليلة وضحاها هي نفسها التي تكرر واشنطن الخطأ معها الان، فصناع القرار في البيت الابيض يحاولون الظهور بمظهر المهتم بشأن الشعب الايراني على اساس ان نظام الحكم الحالي قاس وغير شرعي واسلامي يفرض تفسيره الخاص للشريعة مستندين في رأيهم هذا على مايقوله اناس هامشيون يعيشون في اقصى اليسار الليبرالي. لقد انتقلت ايران نقلة كبيرة وقاسية من اقصى اليمين الى وسطه بعد تولي الرئيس خاتمي للسلطة، ومع ذلك فان الانتقادات تتوالى على نظام حكمه وكأنه المسئول عن سوء الحالة الاقتصادية التي يعاني منها الشعب الايراني، ونسيت أميركا انها السبب الرئيسي فيما يعاني منه الناس هناك لانها تمارس قرصنة وابتزازا اقتصاديا عليها وعلى جارتها العراق، وياليت شخص ما سأل نفسه خلال تنزهه في حديقة البيت الابيض عن البديل لخاتمي حين يزداد التهديد على طهران! بالطبع لن يكون اصلاحيا ينظر الى تحسين علاقته مع الغرب من جانب نظارته، بل سيكون عكس ذلك. إن ما تقوم به واشنطن الان هو ذيل العقل وليس عينه، فهي حاليا تسوق انظمة ملكية نسيها الناس في دولها سواء في ايران او العراق، وهل من المعقول ان تزيل انظمة تدعي انها شمولية لتفرض على الشعوب انظمة اخرى من صناعتها وتعليبها؟ لماذا لاتترك الشعوب تحدد رغباتها؟ نعم قد يطول الزمن وتتباطأ الاحداث، ولكنها الوسيلة الوحيدة والسليمة للاصلاح السياسي والاقتصادي بدلا من التحول السريع القاسي، فايران الخاتمية غير ايران الخمينية، وعراق الثمانينيات غيرها في مطلع الالفية الثالثة، فالتغيير امر حتمي لابد منه ولكن يجب ألا يكون على حساب الشعوب المغلوبة على امرها لمصلحة شركات النفط الغربية والمتخمين في واشنطن. إن ما يحدث في ايران هو تفاعل طبيعي للصراع بين الاقلية الحاكمة و الاغلبية المحكومة، فايران لايحكمها حزب له برنامجه واهدافه وهيكله التنظيمي، بل يحكمها توجه عام يرى ان الاسلام الشيعي هو افضل وسيلة لحكم ايران، فمن تبنى هذا التوجه فهو مؤيد لنظام الحكم، ومن عارضه ليس مجبرا بأن ينافق او يترك البلاد مهاجرا الى غيرها. إن المسألة إذن ليست في نظام الحكم الايراني بل هي في محاولة الولايات المتحدة الأميركية فرض ثقافتها غير المقبولة في المنطقة لتحقيق مصالحها وسهولة تسويقها، وكل ماتريده واشنطن سيجابه بجدار صلب من المقاومة حين تشم الشعوب رائحتها في كل تغيير قادم.