«الانتقام»... الانتقام.. الانتقام، هل هي مرة ومؤذية هذه الكلمة، وشديدة الوقع على سمع ووجدان من يستمع اليها، هل هي مكروهة حتى وهو تحت كابوس رعب رؤيته لـ جديدة «غرونيكا» مهولة، عمرها التنفيذي الممتد المدمر أضعاف عمر لوحة بيكاسو... «غرونيكا» تتعانق في فضائها أشلاء الأطفال وألعابُهم مع الأثاث والاسمنت والزجاج وقضبان الحديد الملقمة باللحم البشري يتدلى من أنوفها نتفاً من ذبائح... لوحة رسامها وسيد تكوينها وظلالها وألوانها وأبعادها: الحقد الصهيوني العنصري الذي رسمها بالدم واللحم المتناثرين من أجساد أطفال غزة، التي تشظت بفعل قنبلة من مقاتلة أميركية من نوع 16-F تزن ألف كيلو غرام، ألقيت بمباركة أميركية؟! هل الانتقام ذو وطأة لا تحتمل؟! هل هو عادل؟! هل هو مطلوب؟! هل هو محرر؟! ربما نعم.. بل مؤكد أن: نعم... وألف مؤكد أن: نعم. اذ ماذا يفعل أب انتزعتْ منه طفله قنبلة تبيد حياً سكنياً بأكمله؟ وماذا يفعل شعب يُقتل أبناؤه يومياً أو يعتقلون ويعذبون تحت ناظريه، ويستمر اذلاله وحصاره بالحديد والنار وتجويعه بهدف تركيعه واجباره على التسليم بانتزاع مقومات حياته كلها منه لفرض الاستسلام والموت الأبدي التام عليه؟! ماذا يعمل ليواجه الحقد والقتل والنار والذل وتحالف الشر؟ هل يتفرج على موتاه ومن يعبث بهم وبمصيره معاً، ويبقى ينثر في العالم ألوان بكائه وعذابه وشكواه ليستعطف السياسة المحكومة بالمصالح وأشكال الفساد وأخلاقيات السوق، وهي لا تحترم الضعفاء ولا تتعاطف الا مع القوة ولا تفتح شفاهها الا لمن يدفع أو يخيف؟! أم يرد بقوة على من ينشر الموت والدمار وارهاب الدولة في جسده، ويسرق منه أمنه ووطنه، ويروج الأكاذيب ويشوه وجه الحقيقة ووجه الحياة معاً!! المساواة بالعدل ان كلمة الانتقام لدى شعب مشرد عن وطنه أو منفي في وطنه، يُذبح صباح مساء منذ نيف وخمسين عاماً والناس يتفرجون على معاناته ودمه، تصبح كلمة ذات وقع أقل بكثير، حين يلفظها ويستخدمها، من وقع الجريمة التي تستدعي الانتقام لها. وتكتسب تلك الكلمة: الانتقام، معنى من معاني العدل حين يغيب القانون وتتعسف القوة وتعنوا الرقاب للمتجبرين؛ انها تغدو كلمة عادلة تسوغ فعلاً عادلاً في ذلك المفصل من مفاصل الحياة والزمن والحوادث، انها تضع الأمور في ميزان منصف وصحيح، حيث البشر متساوون. نعم البشر متساوون، والانتقام مسوغ بل مطلوب في حالة العدوان المبيت والترصّد لارتكاب جرائم ضد الانسانية وغياب قوة عادلة. البشر متساوون، رغم جبروت القوة العمياء وتحالفها الشرير، ولا نقول انحيازها الأعمى للشر والعنصرية والنازية الجديدة المتمثلة بالكيان الصهيوني ورموزه. وان «البريء» من الناس يعادل البريء، وليتر من الدم البشري يعادل لتراً من الدم البشري وليس مبلغاً من المال بحساب شايلوك الجد المشترك لشارون ـ بوش، الدم يساوي الدم في حال عدم الفساد وعدم عدوان أحد على أحد، أما الذي يعتدي ويحتل أرض الغير ويأتي من آخر الدنيا ليقتل ويحتل ويفسد في الأرض ويزرع الكراهية والحقد بين نفوس بريئة وفي تربة مقدسة، يريق فيها الدم بعد أن ينتزعها من أهلها الأصليين، فهو ليس بريئاً وانما هو الفاسد المفسِد والمعتدي المجرم الذي يُقتل بجرمه وعدوانه واحتلاله، ويُقاتَل حتى يجلو، وليس له من البراءة نصيب. وعندما تكون هناك قوة عادلة ذات مصداقية خُلُقية وقانونية وانسانية تحمي الحق وتحرص عليه وتسعى الى نصرته، تنجلي بالجهد الصادق والحرص المؤكد حقيقة الأوضاع وأوصافها ودقائق الأحوال والمشاعر والدوافع، ويصبح التدقيق الموضوعي سيد الموقف؛ ولكن عندما تنصب قوة الأقوياء على اضاعة حق المستضعفين والمظلومين واذلالهم، فان لوحة العدل تسودّ، وتغيب كل معالم الأمل، فيدخل الناس في تيه القوة وظلمة الانتقام. الناس متساوون، والدم يساوي الدم.. واللعنة على المعتدي.. الناس متساوون رغم الغثاء والطفح العنصريين اللذين يغمران العالم من فيض صهيونية مقرفة ترى نفسها وباطلها وعنصريتها وجرائمها فوق الناس والعدل والقانون. الناس متساوون رغم أنف بوش وشارون وأضرابهما ممن يشوهون الحقائق والوقائع، ويبيتون عدواناً آثماً على الأبرياء، ويرتكبون جرائم بدم بارد ضد الأطفال الرضع النيام في أسرتهم، ثم يتكلمون عن ادانة لانتقام «بدم بارد»؟ أفلم يكن دمهم بارداً جداً وهم يخططون ويصدقون وينفذون ضرب الأطفال في منتصف الليل وهم نيام؟! أي كذب، وأية أخلاق، وأية قوى عظمى ودول وجيوش تتحدث عن القيم والحرية والعدالة والأخلاق؟ وأي مجرمين أولئك الذين ينصبون أنفسهم قضاة عادلين، ويضعون ميزاناً معيارياً للأخلاق والقيم والسلوك وتصرف الناس في عالم اليوم، وهم جرثومة العالم اليوم، والأولى بأن تجتث من أصولها بدلا من أن تجتث الخير من أصوله، لتعود للحياة قدسيتها وللانسان احترامه؟! .. انهم العنصريون الذين يرون أن اليهودي والأميركي فوق البشر، وأن قيمته لا تساوي قيمة سواه من البشر لأنه من عنصر «أسمى»؟! والدليل، من وجهة نظرهم، أنه يمتلك مالاً وقوة عمياء يستخدمهما أنى يشاء وكيفما شاء، ويملك حقداً على الآخرين لا مثيل له في التاريخ، ويلوك لسانه بمنطق لا يساوي مجرد التلفّت اليه للبصق عليه: منطق التمييز العنصري النازي، والشعب المختار، وتجارة الهولوكوست، واضطهاد العبيد الذين تاجر بهم رعاة البقر، وصناعة الفطير بدم «الغوييم» في الأعياد الدينية؟. وعلى من يريد معرفة أكثر عن سدَنَة «الفضيلة» في عالمنا اليوم أن يتفحص تاريخ أولئك «العادلون» وأساليبهم وممارساتهم وبنيتهم الروحية والفكرية. بكلمات لا نظير لها في الشدة أدان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وهو ممتقع الوجه يضطرب حقداً، عملية كتائب عز الدين القسام الانتقامية في الجامعة العبرية في القدس يوم الأربعاء 31 يوليو 2002 التي قتل فيها سبعة من اليهود وسقط ثمانون جريحاً بعضهم مزدوج الجنسية والولاء؛ واستهجن بوش أن تصل العمليات «الارهابية» الى الحرم الجامعي. ولكن هذا الرئيس ذاته، هو الذي وافق على ـ وأيد: اذ لم يشجب أو يدن في تصريحه ـ عملية شارون البشعة ضد سكان حي الدرج في غزة يوم 22 ـ 23 يوليو 2002 التي راح ضحيتها سبعة عشر فلسطينياً بينهم تسعة أطفال وما يربو على المئتين من الجرحى، فكيف يمكن النظر الى أحكام من هذا النوع تمثل بلداً كبيراً بهذا الحجم، وقوة هي الأعظم، وسطوة كبيرة على الغير؟! هل يستحق الشعب الأميركي هذا الموقف المنحاز من رئيسه، أم «ان الشعب الأميركي يستحق رئيساً أفضل»، على حد تعبير الرئيس بوش وأحكامه التي يطلقها على شعوب العالم وحكامه؟! رفض العدوان ونحن، من مواقعنا وفي مواقفنا، هل نجامل تلك القوة وأحكام حكامها خوفاً وتملقاً، ونتقرب اليها بأقنعة من كل الألوان والأشكال، ونكتفي بما تجود به من أقوال وأفعال؛ وفي ذلك استمرار لمسلسل الابادة وافساد للقيم والمباديء وفساد يعم العالم!؟ أم ترانا ملزمون بالتصدي لهذا النوع من العسف والمقت اللذين ابتلي بهما العالم نتيجة تحالف قوتين شريرتين: الحركة الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية!؟. اننا ملزمون ـ من وجهة نظري ـ بالتصدي لهذا التحالف الشرير بكل ما نملك، وليس أمامنا الا أن ندافع عن أنفسنا وقضايانا وعن القيم والحرية والعدالة التي ينتهكها هذا التحالف الشرير ويتعجرف في الوقت ذاته قائلاً: انه يدافع عنها؟! وهذا منتهى الاحتقار للعقل والناس، ودرجة عليا من درجات العمى والعَمَه يبلغها هذا التحالف. ولنا في وضعنا نحن العرب المكتوين بنار الصهيونية والانحياز والعدوان الأميركي أن نتساءل: هل يجوز أن تستمر لعبة يكون فيها الشركاء في العدوان والجريمة فريقين: أحدهما خصم للضحية والآخر الحَكَم الذي يصدر أحكامه من موقع شريك المجرم ونصلهما في قلبها، بينما العالم كله يتفرج على مسلسل جانحين منفلتين في حقول الشر وهم يغطون وجه الأرض بالدم ويجعلون حياة الشعب الفلسطيني على الخصوص: معاناة قاسية بلا ضفاف؟! من خلال الهاتف قال جيف أوكونول رئيس وفد الـ «سي.آي.ايه» الى تل أبيب لأفي ديختر مسئول «الشاباك» الاسرائيلي، بعد عملية غزة بساعات قليلة ـ وأرسلت نسخة من الحديث لموشيه يعلون رئيس أركان جيش العدوان الذي افتتح عهده بجريمة بشعة ـ قال: «كل الاحترام». وهي تعني حسب «أمير أورن» في ها آرتس: التأييد التام، الذي تجلى بعدم ادانة العملية. بل ذهب المندوب الأميركي في مجلس الأمن الى الحديث عن «هجمات بغيضة أخلاقياً لحماس والجهاد»، أما عملية شارون ضد الأطفال فهي أخلاقية تماماً بالمنطق الأميركي!!. وحاول السفير جون نيغروبونتي أن يصرف النظر عن الموضوع المثار أمام مجلس الأمن أو يعطله بخلق بدائل سخيفة له، حيث عرض بسوريا بعد مهاجمة حماس والجهاد الاسلامي وكتائب الأقصى فقال: «كما يتعين علينا أن نتنبه لمسئولية كل بلد عضو في الأمم المتحدة، لا سيما تلك التي في مجلس الأمن الدولي، بوقف توفير ملاذ آمن لجماعات فلسطينية تمول وتدعم وترتكب أعمالاً ارهابية» والمطلوب أن تطرد سوريا الفلسطينيين للمرة الخامسة من أرضهم، وتقاتل دفاعاً عن الاحتلال لكي ترضى الولايات المتحدة الأميركية!؟. عجيب.. ولكن ما هو غير العجيب في تصرفات الولايات المتحدة الأميركية؟!. اذا سألنا بشراً ما: ماذا يكون موقفه عندما ينتشل طفله أو زوجه من بين ركام بيته يرشح دماً ويموت بين يديه، أو ميتاً يتجمد في قلبه، والفاعل هو الذي يحتل أرضه ويريد أن يبيده؟! ما عساه يكون الجواب ؟!. لن يكون مجرد استسلام للقوة الشريرة بكل تأكيد. ما الذي يمكن أن تقوله حين يغلي الدم في رأسك وتكاد تشل يداك من الرهبة والرعب، وأنت تنتشل طفلاً في الشهر الرابع من العمر من بين أنقاض ركام انقض فوقه بفعل تدمير مقصود ليتهدم فوق رؤوس ساكنيه في منتصف الليل وهم نيام؟! هل تشكر الذي أسال دمك ودم ذويك، وهو يلاحقك ليلقي بك أنت وشعبك وقضيتك وقوميتك ودينك في أتون النار المهلكة ان هو استطاع؟ واجب المقاومة ألا تقول ان كنت فلسطينياً وعربياً: الموت لمن يريد لي الموت، والدم بالدم، والحياة تدفع الموت الزاحف على جثث الأطفال ومستقبل الشعب على شكل دبابات وطائرات وصواريخ وغيوم حقد كريه تتكاثف متلاحقة من وراء البحار لتدفق دماً ودماراً في أرض فلسطين، فتبيد الشعب وتستولي على الأرض وتحيل أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول بيتاً لصهيون التي ما ارتفعت بسلوكها وأخلاقها الى فضاء الانسانية في يوم من الأيام، لأنها هبة الحقد العنصري الأعمى ومركز الشر الذي ينفث حممه على الآخرين على الدوام. ما ذا تقول اذا اقتحم عليك وطنك فمدينتك أو قريتك أو مخيم تشردك، فبيتك، ففراش نومك، عدو يريد حياتك وحياة أطفالك؟ هل تقول له: تفضل أقتل فأنت مكلف برسالة ربانية عليا تقول لك اقتل سواك واسرق أوطانهم وأبدهم عن وجه الأرض، وأنت من شعب مختار ؟! أم تنازله عن نفسك وأهلك وبيتك ووطنك وتعطي لدمك قيمة ولحياتك معنى، وللموت حين يحين حينك معنى؟! لم يعلمنا أحد الذل: لا القومية ولا الدين ولا اللغة ولا عادات الشعب وتقاليده، واذا كانت تهمة بوش لنا بأننا «ارهابيون» سوف تخيفنا أكثر من الموت الذي يعشش في شوارعنا بانتشار بني صهيون فيها محتلين ودنسين مدنسين وقتلة، سوف ترهبنا، فالخير فيما يختاره الكريم من طرق الكرامة.. ومن العجز أن تموت جبانا. نعم ينبغي أن نقاتل حتى ندفع عن أطفالنا القتل، وينبغي أن نقاتل حتى نحرر أرض الوطن، وينبغي أن نقاتل انتقاماً لمن قتل على يد الصهاينة المحتلين من أبنائنا، وما دمر من بيوتنا وقرانا ومخيماتنا ومدننا، وما جرف من أراضينا. نعم «للانتقام» من المعتدين، نعم لانتقام في القدس ومن أجل القدس. قاتلوا فأنتم الأعلون باذن الله. واذا جاءكم حاكم عربي وسيط، أو مفاوض عتيد، أو داعية «سلام» يحمل جائزة نوبل للسلام، فقاتلوا وأنتم تذكرون وتتذكرون وتقولون: ان المجرم بيريس الذي ارتكب المذابح قبل أن يمنح الجائزة وصادق على المذابح بعد أن استلمها، وأقر عملية غزة ضد الأطفال الرضع، هو أنموذج لمفهوم السلام الذي يمليه الغرب المتصهين علينا ونحن نرفض هذا النوع من الاستسلام باسم السلام. واذكروا وتذكروا أن شارون هو أنموذج رجل السلام عند جورج دبليو بوش. قاتل ولا تلتفت لمن يريد أن يديم عمر ولاياته على حساب دمك وأمنك وحريتك وكرامتك، لا تلتفت لمن يأتيك سمسار أفكار يدعو الى حكمة الجبن مأجوراً بالدولار، يوقع العرائض ضد دمك ليبيعك أنت ودمك في السوق، قاتل لتستعيد ذاتك، وتحمي أهلك ومقدساتك، وترفع رأسك بين الأمم، قاتل لكي تمنح لك الحياة.. فوالله ان طالب أي عيش فيها هو طالب ذل مقيم وعيش سقيم. واعلم أن أجلك في كتاب، فلا تجعل الخوف يداخل قلبك، ولا تجعل دمك رخيصاً في أي موقعة وتحت أي ظرف، ولتكن روحك ودمك وأهدافك أمانة في عنق الآتين من بعدك، حتى تتحرر كل فلسطين من النهر الى البحر، ولو دام الصراع ألف عام. قاتل وستجد ان دمك مع الأيام يجلو شفرة الشعب وينبت في هذه الأرض العربية البائسة اليابسة اليوم شجاعة وكرامة ونخوة وحرية وخضرة وحياة.. فطالب الموت يصنع الحياة أو توهب له الحياة. والحياة هي نوع العيش لا طول الزمن. ومن ينصر الله ينصره ويجعل له مخرجاً. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب