تمثل الامية في العالم العربي احد التحديات الخطيرة التي تواجه مشروع التنمية القومية الشاملة لما يترتب عليها من آثار مباشرة وغير مباشرة على حاضر ومستقبل المنطقة بأسرها. ولقد ودع العالم العربي الالفية الثانية، واستهل الالفية الثالثة وهو يحتفظ برصيد من الامية بلغ مقداره «65 مليون امي»، كإرث تخطى الزمن ليشهد على قوة التحديات التي من شأنها ان تستفز العقل العربي، وتضعه مباشرة امام مسئولياته، ليقترح الحلول التي تسحب من رصيد الجهل، وتساهم في تحرير الانسان من ضيق الامية الى رحابة المعرفة والعلم. ولان تنمية الموارد البشرية هي الطريق التي تمهد للتنمية القومية الشاملة فان بذل الجهود الحثيثة والمستدامة لتحرير هذه الملايين من قسوة الامية وظلالها المعتمة هو واجب اخلاقي وقومي في المقام الاول. وتشير الاحصاءات الرسمية الصادرة من اليونسكو الى ان اكثر من 50% من العرب ممن هم فوق الخامسة عشرة اميون، والنسبة بين النساء اعلى اذ تقدر بحوالي 70% وترتفع النسبة في المناطق الريفية. ويمثل الفقر مقبرة العلم في العديد من الدول العربية التي ينخفض فيها دخل الفرد عن المعدلات الطبيعية ويصل الى حالة تنهك طاقة الانسان وتجعله لا يكتفي ببحثه المحموم عن لقمة العيش، بل يلجأ الى حرمان ابنائه من الدراسة الابتدائية وتعويدهم على ممارسة مهن بسيطة قد تدر على العائلة بعض الارباح. ان هذا الواقع الذي يبرزه تقدير اليونسكو يتطلب دون شك ان تنضم الجهود الشعبية الى الجهود الرسمية لمعالجة مشكلة الامية، وتقليص مساحتها ما امكن. وهنا نفتش عن دور المنظمات الاهلية وعن برامجها في علاج مشكلة الامية، كما نفتش عن دور الافراد الذين يمتلكون القدرة على القراءة والكتابة في تبديد مساحة الظلام من افق الحياة الاجتماعية. نتساءل عن دور الجامعيين الذين تيسرت لهم فرص التعليم، وذاقوا حلاوة المعرفة كيف زكوا عن علمهم، وماذا اسدوا لابائهم وامهاتهم ممن حرموا نعمة القراءة والكتابة؟ نتساءل عن دور الاعلام في تعليم من لا يعلم؟ نتساءل عن دور المعلمين خارج الدوام الرسمي ماذا عملوا لاولئك المحرومين من هذه النعمة؟ نتساءل عن ساعات الفراغ المهدرة بدون حساب او حد اين ذهبت، وفي اي شيء صرفت وهناك 65 مليون امي لا يجدون من يعلمهم ابجديات الدخول الى عالم النور والوعي حيث يكتشفون العالم من خلال الرؤية الاعمق التي توفرها الثقافة والبحث. نتساءل عن حجم الاموال المهدرة في غير طائل في حين لو صرف عشر معشارها لاختفى الجهل من عالمنا، ولرحل الظلام من افق اولئك الذين ضامت عليهم نفوسهم حين غاب عنهم الدليل، وتسربلوا في عالم الجهل الذي اغلق منافذ النور عن ابصارهم، وتركهم اسرى الافكار الضيقة، والاحزان التي جلبها الجهل وتراجع الامكانات الذاتية؟ نتساءل عن سبب الركود الذهني الذي خيم على مشاعر المتعلمين، وأنساهم واجبهم تجاه اوطانهم فقعدوا يقتاتون على مشاعر حب الوطن دون ان يعلموا ان اول اشارة على ذلك الحب هي ان تسوق الخير الى المحتاجين من قومك، فتهدي الشارد منهم، وتعيد الغائب عن ذاكرة قومه الى عالم النور واليقين، وتعلم من لا يعلم؟ نتساءل عن الاهداف الشخصية التي لها ارتباط بالمجتمع اين اصبحت، وفي اي زاوية ضيقة من الحياة استقرت، ولماذا رضي اصحابها ان يتحولوا الى الموقف الاضعف الذي لا يدل على حياة كاملة إنما يؤكد على ضآلة اولئك الناس؟