لما رفع الى امير المؤمنين عمر بن الخطاب ان الحطيئة آذى الناس بهجائه استحضره وانبه واوهمه انه يقطع لسانه، فقال له الحطيئة: بالله يا أمير المؤمنين، الا ما اقلتني، فقد هجوت والله امي وأبي وامرأتي ونفسي، فقال له عمر: ما الذي قلت في امك؟ قال: قلت فيها والجواب للأب: ولقد رأيتك في النساء فسؤتني وأبا بنيك فساءني في المجلس وقلت فيها ايضا: تنحى فاجلس مني بعيدا اراح الله منك العالمينا اغربالا اذا استودعت سراً وكانونا على المتحدثينا ثم قلت في امرأتي: اطوف ما اطوف ثم آوي الى بيت قعيدته لكاع (حمقاء) ثم نظرت في بئر فرأيت وجهي فاستقبحته فقلت: أبت شفتاي اليوم الا تكلما بشر فما ادري لمن انا قائله ارى لي وجها قبح الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله فأمر به فسجن في قعر بئر فكتب اليه بعد ايام، يقول: ماذا تقول لافراخ بذي مرخ حمر الحواصل لا ماء ولا شجر القيت كاسبهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر انت الامام الذي من بعد صاحبه القت اليك مقاليد النهى البشر ما آثروك بها اذ قدموك لها لا بل لانفسهم قد كانت الاثر فامر به فاحضر فاستتابه وخلى سبيله. ـــــ نجابة الصبيان قال الاصمعي: لقيت بالبادية صبيا لم يدرك الحلم فاستنطقته فوجدته بليغا فصيحا فاستخبرته هل عندك شيء من عرض الدنيا؟ فقال: يا عم والله ما املك اليوم درهما واحدا، فقلت له: تود ان تكون لك مئة الف وتكون احمق؟ فقال له: لا والله يا عم، قلت: ولم؟ قال: اخاف ان يجني على حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي حمقي. وفي نجابة الصبيان قيل: كان الرشيد يميل لعبدالله المأمون اكثر من ميله الى محمد الامين، فقالت زبيدة وهي ام الامين: يا اميرالمؤمنين انك تميل الى المأمون اكثر من ميلك الى ولدي الامين، فقال لها: ما انا حيث ظننت ولكني تفرست فيه النجابة اكثر من الامين، قالت: فأحب من امير المؤمنين ان يختبرهما بحضرتي، قال: فبعث خلف الامين اولا فقال له: يا محمد اني جلست هذا المقام وآليت على نفسي لا يسألني منكم احد شيئا الا اعطيته ما سأل، فقال: اسألك كلب بني فلان وبازي بني فلان لكلب مشهور وباز مشهور، فقال له: لك ذلك، ثم انصرف فاستدعى المأمون فوقف بباب الستر فأذن له فدخل وسلم فقال له: ادن فدنا وخدم ووقف، فما زال يقول ادن وهو يدنو ويخدم الى ان وقف بين يديه فأمره بزيادة الدنو فقال له: يا أمير المؤمنين هذا مقام العبد من مولاه فقال له: يا بني اني جلست هذا المقام، وآليت على نفسي لا يسألني احد منكم عن شيء الا اعطيته ما سأل، قال: فأطرق واغرورقت عيناه بالدموع وقال له: يا امير المؤمنين اسألك في الخلافة بعدك وارجو ان لا يذيقني الله فقدك .فقال انصرف. وفي ذلك ايضا ذكر ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرّ بغلمان يلعبون وفيهم عبدالله بن الزبير ففر الصبيان خوفا من عمر الا عبدالله بن الزبير، فقال له عمر: يا عبدالله لمَ لم تفرّ كما فر اصحابك؟ فقال: يا امير المؤمنين لم اكن على ريبة فأخافك ولم اكن في الطريق الضيق فأوسع لك!