عندما التقينا للمرة الأولى، وكان ذلك في مدينة الياسمين دمشق، منتصف مارس (آذار) من هذا العام، وقدّم كل منّا نفسه للآخر، كما جرى العرف في مثل هذه المواقف، بادرني قائلاً: ـ أنا ابراهيم عبد المجيد، كاتب رواية «طيور العنبر» التي تحولت في «البيان» إلى «طيور الزعفران»! فاجأني الأمر، ولعلني وجدت في صيغة التقديم لوماً أو عتاباً أو نَفَساً من اتهام، إلاّ إذا كان صديقي الذي لم تمض على صداقتنا سوى ثوان ـ وإن كنت قد عرفته من خلال تلك الرواية ـ قد رمى إلى أمر آخر تغيب عني الآن تفاصيله. لم يترك الكاتب الروائي المهذب مجالاً لمزيد من علامات الاستفهام التي تكدست لحظتها في رأسي، موقعة إياي في نوع من الحرج أو الرغبة في استيضاح الأمر وسط هذا الجمع الحاشد من الكتّاب والشعراء والأدباء الذين شكّل الروائيون من بينهم أغلبية ساحقة، فأكمل قائلاً: هل تتذكر رواية «طيور الزعفران» التي نشرت مسلسلة لديكم في «البيان» قبل عامين تقريباً؟ قلت له: نعم أتذكرها جيداً، وقد تابعت أحداثها من خلال قراءة أعترف بأنها لم تكن منتظمة يومها، وكان أكثر ما لفت نظري هو عنوانها الجميل. ضحك محدثي ـ دون أن يتخلى عن لباقته ـ ثم قال: وهل تعلم أن هذا لم يكن عنوانها عندما سلمتها لمكتبكم في القاهرة؟ قلت مندهشاً: وما الذي جعلك تغير العنوان بعد تسليمها، وأنا أعرف أن العنوان كثيراً ما يكون أصعب من الرواية نفسها، كما يحدث تماماً عندما تكتب مقالة من ألف كلمة ثم «تدوخ دوخة البلجيكي» على رأي شوقية في روايتك، وأنت تبحث لها عن عنوان مناسب من ثلاث كلمات؟ قال مبتسماً هذه المرة: لست أنا من غيّر عنوانها، فقد فوجئت بالعنوان الجديد عندما رأيتها منشورة لديكم، وأعترف بأنه قد أعجبني، لذلك أبعدت عن رأسي فكرة الاعتراض عليه، وحاولت أن أتآلف معه. يومها حاولنا البحث عن المتسبب في تغيير عنوان الرواية من «طيور العنبر» إلى «طيور الزعفران» فلم نجد أمامنا سوى الزميل العزيز كامل يوسف رئيس قسم الترجمة بالجريدة بصفته المسئول عن نشر الكتب كي نحمّله مسئولية هذا التغيير القسري لعنوان رواية أجهد كاتبها نفسه في البحث عنه. وظل هذا الاتهام قائماً حتى التقيت زميلنا العزيز كامل ـ الذي يأسرك هو الآخر بتهذيبه وأدبه الجم وأسلوبه الرفيع في الحوار ـ فكان أول ما فتحت معه موضوع تغيير اسم الرواية لتتبين لي براءته من هذه التهمة بعد أن أوضح لي أنهم قد استلموها من مكتب القاهرة معدة للنشر بهذا العنوان . ومازال المتسبب في هذا التغيير مجهولاً حتى هذه اللحظة، أو على وجه الدقة حتى ساعة انتهائي من قراءة الرواية كاملة هذه المرة بعد أن نشرت ضمن «روايات الهلال» بعنوانها الاصلي «طيور العنبر» الذي لو تغير مرة أخرى لتأكد كاتبها من أن هناك مؤامرة على عنوان روايته أو على ألوان طيورها. تذكرت هذا الموقف بعد أن خلصت من قراءة الرواية التي أبحر بنا كاتبها في تفاصيل المكان والزمان، مصوراً الاسكندرية مدينته الأثيرة التي تخصص في الكتابة عنها، مكاناً وأحداثاً وأشخاصاً، كما فعل في روايته المهمة السابقة «لا أحد ينام في الاسكندرية» التي صور فيها عروس البحر الأبيض إبان الحرب العالمية الثانية حين اجتمعت فيها كل أجناس الارض. في رحلة الكاتب الجديدة لمدينته الأثيرة أو «أرض وسماء الكاتب الأسطورية» كما يصفها الغلاف الأخير، تحلق الرواية في سماء المدينة الأسطورة بعد حرب السويس حين خرجت منها كل الأجناس على خلاف ما حدث في روايته الأولى، فيتابع الكاتب كما فعل في الرواية السابقة تصوير روح المكان والزمان من خلال عدد كبير من الشخصيات المصرية والأجنبية، وهي شخصيات حالمة، لدى كل منها حلم للإمساك بطائر العنبر الخرافي، لا تدري أنها تسبح في وسط من الصراعات الكونية يحدد لها مصائر أخرى، إنها ملحمة للنبل والحب والفراق، وأغنية عذبة لمدينة تمتد في الزمان. هكذا وصفتها دار الهلال وهي تقدم رواية تنتقل معها للعيش وسط تلك المدينة الساحلية الساحرة إغريقية النشأة، منذ أن شيّدها الاسكندر الأكبر على شكل رقعة شطرنج، حيث تألفت آنذاك من سبعة شوارع عرضية تمتد بين الشرق والغرب، وأحد عشر شارعاً طولياً تمتد بين الشمال والجنوب، ثم استغلت النطاقات المربعة الشكل الناتجة عن تقاطع تلك الشوارع في بناء مساكن المدينة ومنشآتها المختلفة. وإذا كانت رواية الكاتب السابقة «لا أحد ينام في الاسكندرية» تصوّر استقطاب المدينة للناس من مختلف الأجناس أثناء الحرب العالمية الثانية، فإن روايته هذه تصور وجهاً آخر عرفته المدينة، إبان العدوان الثلاثي عام 1956، وهو هجرة سكانها الأجانب من يونانيين وطليان وفرنسيين وبريطانيين، بالاضافة إلى اليهود الذين كان لهم تواجد ملحوظ فيها، كما ترصد الرواية من خلال شخصياتها التحولات التي حدثت في المدينة متأثرة بأحداث الحرب وتطوراتها، وكمّاً هائلاً مما كان يحدث في العالم في مختلف جوانب الحياة. تميز ابراهيم عبد المجيد في رواياته بتركيزه على وصف المكان، حتى إنك لتشعر وأنت تقرأ هذه الرواية بأنك تتنقل بين شوارع الاسكندرية وميادينها وجسورها ومحلاتها في تلك الفترة، وتكاد تركب «الفلوكة» مع «جين» البريطانية ووالدها وهما ذاهبان لاصطياد البط، وتجلس معها وسليمان في كافيتريا محطة الرمل «على كيفك» أو حديقة تريانون الصغير بشارع سعد زغلول، وتتجول معهما في محلات اولد انجلاند وهورو فيتش وزيف فرير وجراند مجازين وشالون واوريكو حتى تصل الى صيدناوي على ناحية سيدي المتولي. بل إنك تتخيل نفسك في معية سليمان وقد خرج يمشي في المدينة على غير هدى، يقطعها من كرموز إلى محطة الرمل، ثم من محطة الرمل إلى قصر المنتزه ليعود بعد ذلك إلى الانفوشي، ثم يركب الترام حتى الحضرة ويعود مشياً على شاطيء المحمودية حتى يعبر المساكن إلى كفر عشري والقباري والورديان والمكس، ثم يعود بالترام إلى المدرسة التليانية عابراً مينا البصل، ثم يدخل كرموز من جديد. الاسكندرية مدينة سهلة، طويلة حقاً، لكنها مستسلمة للمشاة وللركاب، لسكانها وللمهاجرين من كل الدنيا، ومن شمال وجنوب البلاد، هكذا يقول عنها إبنها ابراهيم عبد المجيد على لسان سليمان في روايته. مدرسة المكان هذه التي اختارها ابراهيم عبدالمجيد ارتادها أغلب كتاب الرواية، ولم ينج من الوقوع في غرامها أحد، حتى لتكاد تطغى على روايات معظم الكتاب العالميين، خاصة إذا ما امتزجت هذه الروح بشخصيات الرواية في زمن الحروب كما فعل كاتبنا عاشق الاسكندرية. ولعل أكثر من برع من كتاب هذه المدرسة الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي. وقد تجلّى إبداعه في رائعته «الحرب والسلام» عندما حوّل احتلال نابليون لموسكو عام 1812 من مادة تاريخية جامدة إلى حياة نابضة متحركة، وهكذا فعل تشارلز ديكنز في «قصة مدينتين» وجونترا جراس في «الطبلة الصفيح» وغابرييل جارسيا ماركيز في «الحب في زمن الكوليرا». وعلى الخطى نفسها سار كاتبنا الروائي المبدع نجيب محفوظ، حتى إن مجموعة كبيرة من رواياته أخذت اسم المكان، وصوّرته لنا على نحو فاق الصورة الفوتغرافية دقةً، هكذا قرأنا له: القاهرة الجديدة وزقاق المدق وخان الخليلي وأولاد حارتنا والثلاثية بأجزائها: بين القصرين وقصر الشوق والسكرية. المهم أن صديقنا الروائي ابراهيم عبدالمجيد لم يعرف حتى الآن أن زميلنا كامل يوسف بريء من تهمة تغيير العنوان، كما لم نعرف نحن أيضاً من فعل ذلك. وعلى النسخة التي أهداني إياها الصديق ابراهيم عبدالمجيد من روايته «طيور العنبر» كتب في الإهداء: «طيور العنبر التي صارت زعفرانا، وهو أجمل على أي حال .. مع محبتي». الأجمل يا صديقي هو هذه الروح التي تقبلت الأمر بأريحية، وحملته على محمل النوايا الحسنة، حتى لو صار العنبر بفعل فاعل لم نعرفه حتى الآن زعفرانا.