عقب العجز الذي أظهره العرب تجاه الهيمنة الاسرائيلية الشرسة ضد أراضي السلطة الفلسطينية بموجب عملية ما يسمى بالسور الواقي وبعدما بدا شارون، وكأنه الحاكم المطلق وسيد المنطقة، على قاعدة المثل الشعبي القائل «فرعون فرعن، لعدم وجود من يرده». وعندما اتضح بأن جميع الشعارات الرنانة التي كانت ترفعها بعض النخب الحاكمة لم تستطع ان تصمد لحظة واحدة أمام أرض الواقع، حينما حلت ساعة الجد ودقت طبول الحرب، فذاب الثلج وبان المرج، وانكشف الغطاء، أصبح من الضروري اكثر من أي وقت مراجعة أوراقنا السابقة المهترئة والبحث عن أوراق جديدة أكثر نقاءً وصفاء. وحتى نستطيع ان نواجه الواقع الجديد والتحديات الراهنة التي تضيق علينا الخناق وتحشرنا في زوايا ضيقة أو شرانق مغلقة لا نملك أية وسيلة مجدية للتحرك داخلها أو خارجها، بات علينا ان نعمل في اتجاهين: 1ـ اتجاه قصير الأجل: والمقصود به التعامل مع المشكلات والتهديدات المستجدة بفعالية سياسية وقومية وعسكرية ترقى إلى مستوى خطورة الواقع القائم، وهذا للأسف ما لم يتحقق بأي شكل من الأشكال. ب ـ اتجاه بعيد المدى: ويتمثل بالعمل على تقوية البنية الأساسية التحتية العربية، في مختلف المجالات وعلى جميع الأصعدة، وهو أمر غاية في الصعوبة ويحتاج إلى زمن طويل وتدابير محكمة وترتيبات غير معهودة، وعلى كل حال، هناك عدة سبل ومقاربات تساعد على السير في هذا الاتجاه، ومنها السعي إلى توحيد الأهداف والافكار السياسية داخل خلايا المجتمع العربي، من خلال محاولة تضييق هوة التناقضات الايديولوجية والمصلحية والاجتهادية بين الأنظمة والأحزاب والكتل والجماعات، وكما نعلم فإن العرب أفراداً وتجمعات وشعوباً وحكومات، يرزحون منذ فترة طويلة تحت وطأة خلافات سياسية وقومية حادة ناجمة عن تباين الرؤى وتفاوت الاجتهادات وتصادم المصالح. وقد أسفرت هذه الخلافات عن نزاعات حادة وصلت في بعض الحالات إلى حد الاقتتال، كما حدث في اليمن ولبنان والخليج العربي والسودان وغيرها، وعندما ينشب خلاف سياسي بين الأطراف المتخاصمة نجد ان كل فرد أو فئة أو حزب أو نظام، ينظر إلى الطرف الآخر الذي يختلف معه في الرأي أو المصلحة، على انه خصم مرير وعدو لدود، فيناصبه العداء الشديد ويحاول تخوينه أو ابعاده أو حتى تصفيته، بدلاً من فتح باب الحوار معه. وذلك على عكس ما يحدث في الدول الديمقراطية المتطورة حيث ان الحَكَم أو الفَيْصل بين الجماعات المتنازعة هو الحجة المقنعة لا السيف البتار، ونتيجة للنهج الخاطئ المتبع في مواجهة الخلافات والخصومات، تهدر القوى السياسية العربية الكثير من طاقاتها، بدلاً من مقارعة الاعداء الخارجيين، وهذا يشكل أحد أسرار ضعفنا وعجزنا، والحل هنا كما أراه، لا يتعلق فقط بتغيير طرقها وأساليبها السياسية، باتجاه المسالمة الداخلية والحوار فحسب، وإنما أيضاً بتغيير طرق التفكير التي تحكم العقل العربي، وهو الأهم، وحتى نحقق هذا علينا ان نبني نموذجاً ثقافياً يحرر فكرنا من الرعونة والجمود والتعصب والتشنج والتطرف والتشبث بالرأي، حتى يصبح كل فرد، سياسياً كان أم عالماً أم رجلاً عادياً، مستعداً لمناقشة أفكار الطرف الآخر وتقبلها والاعتراف بحقوق الغير، ويمكن ان نطلق على هذا النموذج «ثقافة الحوار». فإذا تحقق هذا الأمر أو بعضه مع مرور الزمن، ستكون له بالطبع انعكاسات ايجابية على ممارساتنا السياسية المقبلة، وهذا يعني انبثاق مرحلة جديدة يحترم فيها كل نظام أو زعيم أو حزب أو فئة خصمه أو منافسه، ويقر بحقوقه، بعيداً عن التحامل أو التخوين أو الرغبة في ممارسة العنف ضده. وفي مثل هذا الجو الديمقراطي السليم، يمكن الاتفاق بطرق عقلانية خالية من الانفعالية والديماغوجية والتشدد الذي لا مبرر له على كثير من الأمور والقضايا المختلف عليها، حتى ينبثق عن ذلك خطاب سياسي عربي يُحدد أهدافاً وأوراق عمل ترضي مختلف الاطراف، وكمثال على ذلك، الاتفاق على ان التعامل مع الدول الأخرى، يجب ان يجري على أساس مواقفها من القضايا العربية، بصرف النظر عن كونها غربية أم شرقية، يسارية أم يمينية، أو غير ذلك. وإذا كانت هناك اليوم حاجة إلى تضييق فجوات الاختلاف وتحقيق المصالحة المتدرجة بين المفكرين العرب، ثم بين القوى السياسية المختلفة، وبعدها بين الأنظمة، فإن الأهم أيضاً هو احراز وفاق حقيقي بين الأنظمة العربية وشعوبها، على أساس ان مصالح الناس وعباد الله الذين تبلغ اعدادهم مئات الملايين ينبغي ان تكون لها الأولوية والأفضلية على المصالح الضيقة للنخب التي لا تتجاوز أعدادها الآلاف، وهذا يعني بصريح العبارة، توجيه جميع طاقات البلاد ومواردها نحو خدمة الوطن والأمة، والتزام اصحاب القرار بأن يقدموا للشعوب أكثر من مجرد الحفاظ على السلطة والكراسي، وان يقروا بأنهم ليسوا الغاية أو الهدف، بل الوسيلة لخدمة مصالح الجماهير التي من واجبها في الطرف المقابل ان تمحض الأنظمة بعض الثقة، وان تقيم معها حواراً ابداعياً، بواسطة ممثلين عنها، بهدف ايجاد صيغ سياسية مبتكرة تحقق مصالح الشعب دون ان تضر بالنظام وذلك توفيراً للهدر الناجم عن استمرار الصراع المستتر أو الظاهر بين الطرفين. لقد بات من الواضح الآن ولا سيما من بعد ما حدث في الضفة الغربية وما حل بالفلسطينيين من مآس ان العلاقة بين السلطات والشعوب أصبحت تعاني من الخلل، بدرجات متفاوتة، اكثر من أي وقت مضى فلابد من اعادة هذه العلاقة إلى وضع سليم أو شبه سليم، عن طريق غرس بعض الثقة بين الحاكم والمحكوم، ومن خلال الايمان بأن بين صفوف كل نظام عربي بعض العناصر المخلصة التي ينبغي تشجيعها ودعمها، في الوقت الذي توجد فيه عناصر أخرى لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة، وبدلاً من معاداة هذه العناصر، يمكن أولاً اللجوء إلى محاولة اقناعها عن طريق الحوار السلمي الهادئ بضرورة تغيير نهجها، وممارساتها وتوجيهها نحو الصالح العام. ان ردنا على النكسة الفظيعة التي منينا بها مؤخراً والمتمثلة باعادة احتلال معظم أراضي الضفة الغربية، وبإهانة الشعب الفلسطيني وحكامه، وبتعاظم التأييد الأميركي لاسرائيل، ووقوف العرب موقف شبه المتفرج من الاحداث المفجعة، يجب ألا يتجلى في التحسر والتباكي والتظلم، وإنما في مراجعة طرق ممارستنا وتفكيرنا وحساباتنا. ـ كاتب سوري