على مدار نصف القرن الماضي كانت السياسة الاميركية بمثابة الحاضر الغائب بشأن ما يخص مقاربة العرب لمعظم قضاياهم الكبرى.. الاستقلال والتحرر السياسي والتنمية الاقتصادية وأنماط الحكم والخيارات الايديولوجية والميول والتحالفات الدولية.. والأهم أن عاقلا لا يمكنه معالجة تطورات الصراع الاسرائيلي العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، بمعزل عن الدور الاميركي كمحدد يكاد يكون حاسما في هذا السياق. وباستثناء مناسبات شديدة الندرة، كحرب السويس 1956، لم تتخذ واشنطن مواقف منصفة للعرب. وقد كان العكس صحيحا لاسيما فيما يتصل بالمساندة الاميركية الطليقة للعدوانية الاسرائيلية، وصولا في المرحلة الراهنة الى طور الشراكة الكاملة مع اسرائيل. يتفق العرب على هذا الفهم، غير أنهم كانوا وما زالوا في شقاق ملحوظ حول تفسيره، وأكثر التفسيرات شيوعا وسهولة في الوقت ذاته، هو الذي يعلق الانحياز الاميركي ضد الطموحات العربية بذمة النفوذ الصهيوني اليهودي داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن، فطبقا لهذا الرأي يبدو اللوبي اليهودي بالذات في الداخل الاميركي وكأنه يتمتع بقدرات أخطبوطية اسطورية، بوسعها في كل وقت وتجاه كل قضية توجيه النخبة الحاكمة نحو المواقف والسياسات الملائمة لأهواء اسرائيل ومصالحها، حتى لو تعارضت أحيانا والمصالح الاميركية ذاتها. تتجلى غلبة هذا التفسير والاقتناع به عربيا، عند قراءة مداخل السياسات العربية الرامية لدفع واشنطن نحو ما يوصف بالاعتدال والتوازن والانصاف. فهذه السياسات تراوح بين محاولة تعريف واشنطن بمخاطر دعمها لاسرائيل على مصالحها العربية، ومحاولة توضيح مراعاة العرب للشرعية الدولية بخلاف اسرائيل الدولة العاصية لهذه الشرعية، ومحاولة تلمس السبل لمواجهة اللوبي اليهودي ونفوذه في عقر الديار الاميركية، وذلك برعاية تكوين لوبي عربي اسلامي مضاد، يستخدم الآليات والوسائل التي يتيحها النظام الاميركي. والشاهد أن هذا المدخل الأخير، الذي يعول على التأثير في مسار السياسة الاميركية العربية أو الشرق أوسطية عبر التعامل مع قطاعات صناعة القرار في واشنطن، بات على رأس الأجندة العربية المعنية بالعلاقات الدولية، هذا اذا جاز تصور وجود مثل هذه الأجندة في رحاب الأطر العربية الجماعية!. منطقيا لا يسعنا الاعتراض على ذلك. فنحن بصدد اتجاه حميد إن لم ينفع فإنه لا يشكل ضررا. ثم إنه اتجاه يلزم جانب الموضوعية والعلمية، لأنه يأخذ في اعتباره بالقاعدة التي تثبت صحتها وهي أن السياسة الخارجية الاميركية عموما تعتبر الى حد بعيد امتدادا للسياسة الداخلية. ما يبقى محلا للجدل ومثيرا للهواجس هو الغلو العربي في تحليل السياسة الاميركية العربية، إزاء الصراع الاسرائيلي العربي خاصة، بالسيطرة اليهودية على تفاعلات الداخل الاميركي. فمقاربة كهذه تمنح اللوبي اليهودي ومحازيبه هناك مكانة المحدد الحاسم والمرجعية الأولى في رسم أبعاد هذه السياسة، وتنفي على نحو تعسفي إحالة القرارات الاميركية العربية الى عملية بالغة التعقيد تسهم فيها مؤسسات قد لا يكون فيها لهذا اللوبي أي نفوذ. إن إتساق الموقف الايديولوجي والمصلحي بين اليهودية الاميركية ونواة مركز صناعة القرار في واشنطن، البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي، يضع اليهود في موقع الفاعل في الجهاز الاميركي الحاكم. وحين يظهر تعارض بين هذا الجهاز واللوبي اليهودي، تكون اليد العليا للأول بلا معقب. وهكذا فإن شأن هذا اللوبي لا يختلف كثيرا عن شأن لوبيات أخرى، كالأرمني مع السياسة تجاه تركيا أو اليوناني تجاه اليونان والآسيوي تجاه الصين، اللذين لا يملكون تحويل مواقف المؤسسة الواسبية المسيطرة إلا في الحدود التي تقبلها مصالح الواسب.. لا نريد بهذا التنبيه النصيحة بالكف عن إيجاد السبل للتصدي لنفوذ اللوبي اليهودي المعزز بدائرة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة. فهذه المحاولة مطلوبة وتنبغي رعايتها. ما نهدف اليه هو وضع دور هذا اللوبي في حجمه الصحيح والحقيقي بدون تهوين أو تهويل. وتبدو شهادة خلف الطويل موحية بقوة بهذا الخصوص وخلاصتها: لا تطلبوا من العرب في اميركا أن يكونوا اللوبي الذي يحلم البعض به ليناظر منافسه اليهودي.. ليست القصة قصة لوبيات، إذ ليس في مقدورهم إلا أن يكونوا رافعة لنهوض عربي من داخل المنطقة الأم المنطقة العربية.