شهر يوليو كان بأكمله شهر الاحتفال بثورة مصر العظمى التي مر عليها خمسون عاما. ولم يكن الاحتفال مجرد وقوف على الاطلال أو استرجاع لذكريات سنوات مضيئة في تاريخ الأمة، ولكنه ـ وهذا هو الأهم ـ كان مناسبة للنظر في الحاضر البائس للأمة، والمستقبل المحفوف بالمخاطر، والكارثة الحقيقية التي تنتظر العرب ـ كل العرب ـ اذا لم يخرجوا من حالة العجز الذليل التي يعيشون فيها. كانت يوليو هي رد الأمة على النكبة الأولى في عام 1948 والتي فشل فيها النظام العربي في مواجهة مؤامرة اقامة الكيان الصهيوني. وكان الرد واعيا بأن الصراع مع اسرائيل صراع طويل لأنها ليست الا مجرد الحامية الأمامية لقوة عالمية عظمى تسعى للسيطرة على المنطقة وتريد فرض هيمنتها الكاملة على أرض العرب وثرواتهم ومقدراتهم من المحيط الى الخليج. وكان الصدام حتميا بين حركة القومية العربية بقيادة ثورة يوليو وبين قوى الاستعمار الجديد التي جاءت لترث المنطقة من استعمار قديم، انكسرت راياته بعد الضربات المتتالية التي وجهتها حركة التحرر العربية. وحاولت اميركا منذ البداية أن تدخل ثورة يوليو في بيت الطاعة الاميركي لكن الثورة بقيادة جمال عبدالناصر رفضت وقاومت واسقطت مشاريع الاحلاف العسكرية المفروضة على المنطقة، وتمسكت باستقلالها، واكدت عروبتها، واستمرت تقود حركة التحرر العربي وتمضي ـ في نفس الوقت ـ في طريق البناء الداخلي، وتتبنى مشروع النهضة الذي طال انتظاره، وتؤكد ان الوحدة العربية هي المصير المحتوم لأمة العرب وأن تحررهم هو البداية لمعركة البناء والتقدم. وكان كل ذلك يعني تدمير المخطط الاميركي للمنطقة، ويعني النهاية المحتومة للمشروع الصهيوني. ومن هنا كانت سلسلة المعارك التي واجهتها ثورة يوليو حتى كانت «مصيدة» يونيو 1967 والهزيمة المريرة التي لقيتها فيها، والتي كشفت ـ بجانب العداء الاميركي والمخططات الصهيونية ـ عن اخطاء وقعت فيها الثورة. ولكنها في الوقت نفسه كشفت عن أعظم وجوه هذه الثورة، وهو انها كانت نبتا طيبا في تربة طبيعية مهيأ لها، وانها كانت التعبير الحقيقي ـ رغم الاخطاء ورغم الهزيمة ـ عن روح هذه الأمة وشوقها للعدل والحرية. ولهذا صمدت الثورة، ولم تستسلم للهزيمة المريرة، بل انتفضت فيها كل خلايا المقاومة.. وأظهرت الأمة في هذه أعظم ما فيها، ومن بين ظلال الحرب الخاسرة انطلقت المدافع وبدأت ملحمة الصمود، ثم الاستنزاف، ثم التحرير، وصولا الى العبور العظيم الذي ساهمت فيه الأمة كلها بالقتال، والسلاح، والدعم المادي، والبترول.. والأهم من ذلك كله بالإرادة التي زرعتها يوليو واثبتت عند الشدائد انها ترفض الانكسار وتعرف ان ثمنه هو الاذلال الابدي. ثم كان ما كان بعد أكتوبر، حتى وصلنا الى ما نحن فيه. ولن نكرر هنا الحديث عن تفاصيل أصبحت معروفة عن صفقات سياسية مشبوهة وعن اهدار لامكانيات الأمة، وعن تبديد لنصر عزيز، وعن تسليم أوراق قضيتنا لاعدائنا تحت دعوى أن 99% من القرار في أيديهم.. ولكننا نقف في ظل الاحتفالات بخمسين عاما على الثورة العربية الكبرى وفي ظل الواقع العربي البائس لنطرح السؤال الذي لابد منه: إذا كانت يوليو هي الرد على نكبة 48، واذا كان ما بنته كان السياج الذي حمى الأمة من السقوط والاستسلام في 67، فكيف ستواجه الأمة النكبة الجديدة التي يجري اجبارها على التسليم بها الآن؟! والنكبة الجديدة التي نتحدث عنها لا تقتصر حدودها على فلسطين الموعودة بالنكبات العربية ولكنها كالعادة ستكون العنوان البارز عليها. أما الحدود فستتسع لتشمل الأرض العربية كلها من المحيط الى الخليج. وكل الأنظمة العربية تعرف ذلك ولكنها تتصور انها قادرة على النجاة لو اخلصت في تنفيذ طلبات اميركا، متصورة أن اميركا ستحفظ الجميل وتحفظ العروش وكراسي الحكم أيضا!! وليس صحيحا ان ذلك كله هو نتيجة أحداث 11 سبتمبر. انه نصف قرن من الصراع المرير على مستقبل المنطقة، كانت مرحلته الاخيرة ـ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد اميركا بكونها القوة الأعظم الوحيدة ـ مرحلة يتم فيها اللعب على المكشوف، ولكن العرب ـ كالعادة ـ كانوا يغمضون العيون حتى لا يروا المخططات الاميركية يتم تنفيذها في المنطقة. والنتيجة أن الكل الآن ينتظر دوره للدخول في بيت الطاعة.. الاميركي!! وإذا كانت العقود السابقة قد شهدت اشتداد الصراع في مركز المنطقة في فلسطين ودول المواجهة مع اسرائيل، فإن العقد الأخير قد شهد نقلة جوهرية حيث اكتفت الولايات المتحدة بإدارة الصراع في هذا الجزء من المنطقة معتمدة على قوة اسرائيل المدعومة من واشنطن بكل ما يمكن سياسيا وعسكريا واقتصاديا، بينما انتقل الجهد الأكبر للسيطرة على الأطراف العربية وحصار القلب حتى يستسلم لمصيره. واذا كانت الحرب العراقية الكويتية قد وفرت لواشنطن فرصتها الذهبية لفرض السيطرة الكاملة على الخليج العربي، فإن نظرة واحدة على المنظر العربي العام تبين الى أي مدى نجح المخطط الاميركي حتى الآن. فالبوابة الشرقية التي كان يحرسها العراق ستفتح على مصراعيها.. ولا أحد الآن يناقش قرار اميركا بضرب العراق، وانما البحث يدور في عواقبه. وبعض الأطراف الأوروبية تبتلع الآن تحفظاتها على خطط اميركا وتريد فقط ان تعلم ما هو نصيبها من مكاسب العملية. أما العرب.. فمن ناحية لا تأخذهم اميركا مأخذ الجد وتدرك ان كل ما يطلبونه هو السماح لهم باصدار بعض البيانات التي تشجب وتستنكر حتى ولو كانت تغطي السماح باستخدام القواعد الاميركية في الأرض العربية لتدمير العراق. الضربة قادمة، والترتيبات الاميركية قائمة على قدم وساق لتمهيد الجو. وواشنطن تريد لنا أن نصدق انها سترسل جيوشها وستتحمل الضحايا وستدفع ثمانين مليار دولار من ميزانيتها من أجل نشر الديمقراطية في العراق! الضربة قادمة وسيتم تقسيم العراق ـ بعد تدميره ـ الى ثلاث دول حتى ولو تم التقسيم تحت غطاء كونفدرالي!! ولن يكون هذا التقسيم هو التقسيم الاخير في المنطقة العربية في المرحلة المقبلة! ففي أقصى الجنوب وضعت القواعد الاساسية لتقسيم السودان بقرار اميركي وافقت عليه حكومة الخرطوم وحركة قرنق بعد سنوات من القتال والتدمير. ولم يفاجئ الاتفاق الذي تم على ذلك أحدا الا المعارضة الشمالية السودانية التي مازالت تبحث وتفكر في كيفية استغناء واشنطن عن خدماتها بهذه السهولة وبهذه السرعة! لقد كان الاتفاق الذي سيقود الى تقسيم السودان هو النتيجة الطبيعية لتطورات السنوات الماضية على الساحة السودانية، حيث اختارت كل الأطراف في النهاية أن تضع أوراقها لدى واشنطن وان تترك القرار لها. كان هذا هو قرار قرنق من البداية وهو التعبير عن الموقف الذي تم اعداده بعناية له! ثم كان هذا هو قرار المعارضة الشمالية بعد تحالفها مع قرنق الذي قادها الى دروب واشنطن أملا في أن تساعدها على اسقاط النظام! ثم كان هذا قرار الحكومة السودانية بعد ان أدركت ان قبولها به سيعطيها الرضا الاميركي الذي لن تستطيع البقاء في الحكم طويلا الا اذا حصلت عليه. وهكذا تم وأد المبادرة الليبية المصرية ـ بقرار اميركي، وتعاونت الخرطوم في قضية الارهاب بأكثر مما توقعته الإدارة الاميركية نفسها، وبدأت الرحلة الفعلية لتقسيم السودان وسط صمت عربي لم يعد النظام العربي يملك غيره في مثل هذه المواقف الحاسمة! وسيناريو السودان هو المرشح للتطبيق في الجزائر التي أدمتها حرب مجنونة تقودها فصائل العائدين من افغانستان بعد ان حصلوا على بركة المخابرات الاميركية وتدربوا في أحضانها ثم انطلقوا بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي السابق من افغانستان عائدين الى الجزائر في مهمة «مقدسة» اخرى لتدميرها، بينما انطلق زملاؤهم في الجهاد الاميركي المقدس الى انحاء الوطن العربي والاسلامي.. من مصر إلى اليمن الى جنوب اسيا لاداء المهمة نفسها. الجزائر التي دمرتها الحرب المجنونة، تطل عليها نكبة اخرى بإثارة الحرب بين العرب والبربر التي يخطط البعض لتكون نموذجا لما جرى ويجري في السودان تمهيداً للتقسيم حتى يكتمل حصار الأطراف العربية، ثم تبدأ بعد ذلك عملية تصفية الحسابات القديمة مع دول القلب التي لن تنجو ـ وفقا لهذا المخطط الاميركي ـ من حروب اهلية وعمليات تقسيم قد تبدو اليوم مستبعدة تماما ولكن من كان يتحدث قبل ذلك عن تقسيم العراق الذي تعد الساحة له الآن؟! الحل الاميركي المنتظر ـ ليس الآن بالطبع! - اصبحت ملامحه واضحة: دويلة فلسطينية منزوعة السلاح، مقطعة الأوصال بلا سيادة على الأرض أو الجو أو البحر، يحكمها من حصلوا على شهادة حسن السير والسلوك من واشنطن وتل أبيب، وبعد التخلي عن حق العودة نهائيا والإقرار بالمطالب الاسرائيلية في القدس كاملة، وبقبول لا رجعة فيه بأن تكون كيانا تابعا لاسرائيل اقتصاديا وسياسيا ومعزولة عن محيطها العربي. لكن القضية ليست فلسطين فقط.. فالدور سيأتي على سوريا ولبنان ومصر.. واذا كان الحديث عن تغييرات «مطلوبة» في سوريا ولبنان، وعن تقسيمات محتملة على أسس طائفية في الاساس.. اذا كان هذا الحديث ليس جديدا، فإن خطورته هذه المرة أنه يأتي داخل مخطط شامل للمنطقة يستهدف تفتيتها حتى يمنع احلام الوحدة العربية من التحقيق وحتى تصبح اسرائيل كيانا طبيعيا بعد ان تتعدد الكيانات الصغيرة الطائفية في المنطقة من ناحية، وتصبح بعد ذلك هي القوة الأقوى والاكبر والقادرة على ضبط حركة هذه الكيانات الطائفية وفرض ارادتها عليها من ناحية اخرى. وإذا كان المطلوب ـ وفقا لهذه الخطة ـ ان يستمر الأردن في لعب دوره في المنطقة، مع اضافة بسيطة وهي ان يصبح جزءا من ارتباط ثلاثي يجمعه مع الكيان الصهيوني والكيان الاسرائيلي في صيغة مماثلة للـ «بينو لوكس» الشهير في أوروبا، فإن مصر والسعودية لا يمكن ـ وفقا لهذا المخطط ـ استمرارهما بالصورة الحالية. فمصر ينبغي ان تفقد دورها، والسعودية ينبغي ان تفقد كيانها. واذا كان استخدام الضغوط الاقتصادية واثارة المشاكل الداخلية يمكن ان يفرض على مصر ما عجزت اميركا واسرائيل عن فرضه حتى الآن وهو الانكفاء على الداخل والتخلي عن أي التزامات عربية، فإن السعودية ـ وفقا لهذا المخطط ـ يمكن ان تشهد تغييرات تعيد بعث منطق التقسيم في هذه الدولة المحورية المهمة. هذه البجاحة التي يتم بها الحديث عن مخططات تدمير دول وازالة الكيانات لا يقابلها على الجانب العربي الا العجز البائس في المواجهة، والقبول المهين من نظام عربي متهالك بأن يسكت عن الجريمة.. هذا اذا لم يشارك فيها! أي كارثة أن تستمر مأساة الجزائر طوال عشر سنوات دون ان يتحرك العرب! وان يحدث ما يحدث لشعب فلسطين فيكتفي العرب بـ «التوسل» أو «التسول» حتى تفعل اميركا شيئا! وان يفرض على السودان أن يسير في طريق التقسيم فنهنئ ونبارك! وان تستعد اميركا لتدمير العراق تدميرا كاملا قبل تقسيم ما يتبقى منه فيكون رد الفعل العربي الرسمي هو انتظار البلاء والتوسل لأميركا أن تفعل شيئا لتهدئة الأوضاع في فلسطين أولا حتى لا تنفجر الأوضاع في وجهها، خصوصا والأمة العربية كلها تعرف ان العراق سيضرب من قواعد أميركية في دول عربية مازالت تتحدث صباح مساء عن وحدة المصير العربي! انه وقت عصيب تمر به الأمة، والتاريخ يعلمنا انها قد تكون النهاية للنظام العربي الراهن أو حتى لكيان دولة، ولكنها بالقطع ليست نهاية الأمة التي واجهت مثل هذه المحن أكثر من مرة، وخرجت منها بعزم أشد على مواصلة الطريق رغم الصعاب. وقبل عقود الامبراطوريتان البريطانية والفرنسية تحكمان المنطقة والعالم. وفي الوقت الذي كانت تخوض فيه الأمة معركتها للتحرير، كان البعض يراهن على ان سيطرة الاستعمار ستبقى للأبد، وكان البعض «يتسول» من لندن وباريس الثروة والنفوذ والعروش الوهمية.. ثم مرت الايام وذهب هؤلاء في زبالة التاريخ وبقى للأمة شهداؤها وابطالها الذين خاضعوا المعارك وآمنوا بالنصر وانتصروا للحرية. وها هو الموقف يتكرر في ظروف أسوأ. وامبراطورية الشر الاميركية تنفذ مخططاتها، واسرائيل تعربد في المنطقة، والنظام العربي يعاني العجز ويقاسي الاذلال، ولغة التوسل أو التسول هي السلاح الوحيد الباقي للنظام العاجز، بينما الأمة مازالت تنبض بالحياة، وتدفع ثمن اصرارها على المقاومة وثمن عجز الأنظمة، ووسط الليل وفي مواجهة محاولات كسر الإرادة العربية ترتفع صور الشهداء وتحتضن الجماهير ذكرى الثورة التي جسدت قبل خمسين سنة آمال الأمة واحلامها في الحرية والكرامة، وترفع بإعزاز صورة الرجل الذي قاد الأمة في أصعب المعارك، والذي يعلن بحضوره القوي بعد ثلاثين عاما من رحيله أن الأمة على حق حين سارت وراءه، وانه كان على صواب حين أدرك مبكرا وهو محاصر في الفالوجا.. أن المعركة الحقيقية تبدأ في القاهرة! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية