في حلبة السياسة السودانية ثمة شخصيات معدودة انتزعت شعبية عريضة كادت تبلغ درجة الاجماع الوطني غير أنها لم تصعد بها إلى مرتبة القيادة القومية على الصعيد القطري، بين اولئك النفر الكريم من تمتع بمقومات الكاريزما الجوهرية وبعض حظي منها بالقليل. من اولئك العمالقة الراحلون مبارك زروق الذي اختطفته المنية مبكراً ونده محمد احمد محجوب الذي اضافت شاعريته وبلاغته الى حنكته وقوة شخصيته بعداً، الشريف حسين الهندي الخطيب البارع المفوه وزاد تواضعه الجم وجرأته على المغامرة رقعة شعبيته فكان نسيجاً فريداً في الزعامة وعبد الخالق محجوب وهو صاحب حضور آسر اذا كتب واذا خطب. ربما كان ابيل الير احد الشخصيات الجنوبية التي تتمتع بكاريزما حقيقية غير ان تعقيدات التشابك القبلي في الجنوب لم توفر له حظ التألق في الشمال لكن الذين خبروا الرجل عندما كان نائباً للرئيس على عهد النميري يدركون تلك الاستقامة الوطنية التي ترفع الرجل الحقوقي الى مصاف القديس. تصاريف السياسة السودانية منحت العقيد د. جون قرنق فرصة ذات حظوظ وافرة في الشمال والجنوب فبدا أكثر الجنوبيين قابلية لاحتلال مكانة مرموقة في الحلبة السياسية السودانية. قد يكون في بروز قرنق قائد حرب عصابات ناجح الباع الطويلة في رسم هذه الصورة كما ان شهادة الدكتوراه في رصيد ضابط لها بريق خاص. لكن استقطاب قرنق لم يكن وقفاً على الجنوب، فالنخبة السياسية الشمالية تروج للرجل صورة سياسي براجماتي بارع. لو ان الامر اقتصر على قادة المعارضة لقبلنا فرضية ان قرنق بما يملك من قوة ليس اكثر من قاطرة تغري العاجزين والواقفين على الرصيف من الذين يحلمون بالسلطة او اقتلاع النظام الحالي بالوثوب في احدى العربات. غير ان اهل الحكم بدأوا يتحدثون عن حنكة قرنق ووطنيته وهم يسوّقون اتفاق ماشاكوس. عقب لقائهما الاول في كمبالا جاءت شهادة الفريق عمر البشير الاولى عن قرنق مرافعة لا تبرئ قرنق فقط وانما تدين خصومه اذ قال البشير ان قرنق لم يكن انفصالياً في يوم ما. ربما كان ذلك بفعل سحر الكاريزما التي يتمتع بها قرنق. ثمة اجماع على انه يتمتع منها بمقومات حقيقية. مظهر الرجل يوحي بقائد عسكري صلب وقامة فارعة تزرع انطباعاً عن قائد سياسي له القدرة على فرض هيبته واحترامه على الاخرين في تلقائية. بالفعل هو يحظى باعجاب واحترام معاونيه العسكريين والسياسيين رغم تباين قاماتهم وثقافاتهم ومكاناتهم الاجتماعية ورغم روح الانضباط التي تحكم العلاقة بينه وبين معاونيه الا ان هناك الفة ومحبة لا تخطئها العين المدربة. من مميزات قرنق كقائد حرب عصابات انه يشارك في رسم العمليات وفي تنفيذها احياناً وقد فقد عدداً من حراسه الشخصيين كانوا في سيارة تتقدمه بانفجار لغم. ومن فضائل قرنق السياسية انه يجيد فن الاصغاء اذ دأب على الاستماع لمحدثيه طويلاً وفي صبر دون مقاطعتهم او جعلهم يشعرون باللامبالاة او الضجر مما يقولون ثم هو لا يتحدث الا في الوقت المناسب. وعندما يتكلم فانه يفيض في شرح الفكرة الواحدة من جوانب متعددة فيترك لدى المستمع انه امام استاذ صاحب افكار مرتبة وذاكرة خصبة. لكن على قدر ما يمنح قرنق شعوراً بأنه رجل واثق من منطقة الى درجة الغرور، فإن المستمع يتبادر اليه بأن المتحدث لا يثق في قدراته على الفهم والاستيعاب. هذا احساس يعززه الاسهاب والافاضة بينما الرجل بالغ التهذيب يحترم الصغير ويوقر الكبير. كل الذين يتعاملون مع قرنق وقعوا اسرى «خفة دمه» وظرفه التلقائي وسرعة بديهته التي لا تجاري فهو رجل يتمتع بقدر واسع من المرح الفطري الذي يشيع في اللقاء وداً وهو في ذلك لا يردد ملحاً مكرورة او يتكلف الاضحاك وانما يسعفه ذكاء وظرف في استنباط المفارقات المضحكة من خلال الحوار المتبادل. وكونه رجلاً لماحاً تلقائياً يضيف الى شخصيته كرجل حرب عصابات بعداً انسانياً مثيراً. يستشهد قرنق على ازمة الهوية لدى الشماليين في محاججاته السياسية بطرفة محورها ضابط شمالي زامله الى اكاديمية فورت بني الاميركية وكانا ضمن مبتعثين من دول عديدة. في طابور التصنيف الاول نادى المنادي في الاكاديمية على مبتعثي دول اميركا اللاتينية بالخروج الى وجهة محددة ففعلوا ثم نادى على الاسيويين فخرجوا فالافارقة فاستجابوا. هنا طلب قرنق من زميله الاستجابة لكن الضابط الشمالي طلب منه الانتظار فنادى المنادي على الضباط الشرق اوسطيين فخرجوا ولم يتبق سوى قرنق وزميله فسألهما المنادي من اي قارة انتما فأجاب الشمالي من السودان. وعندما الحقهما المسئول بالضباط الافارقة صار قائدهم ينادي على الافارقة انجاز كذا وعلى السودانيين فعل كذا. في احد اجتماعات قيادة التجمع قال محمد عثمان الميرغني زعيم التجمع وهو يقدم احد معاونيه لقرنق الدكتور فاروق هذا كان في حزب الترابي فهداه الله وانضم للحزب الاتحادي فقال قرنق نسأل الله ان يهدي فاروق اكثر فينضم للحركة الشعبية. لكن الله هدى فاروق الى طريق رابع. اذ خرج عن الميرغني ولم يعد لقاعدته الترابية او يلتحق بالحركة الشعبية. في لقاء جانبي قال الدكتور عمر نور الدائم ابرز معاوني الصادق المهدي وهو يطري شاباً شمالياً في صفوف الحركة قائلاً ان «فلاناً» هذا مكسب جيد للحركة فسأل قرنق نور الدائم كمن يريد استكشاف ابعاد في شخصية احد رجاله لماذا؟ فرد نور الدائم قائلاً لقد كان ابوه وكيل الامام عبد الرحمن في بورتسودان فعلق قرنق بأن فلاناً هذا نفسه وكيل الامام الان في اسمرا وكان يعني انه هو الامام. في احدى زياراته للقاهرة ألحّ على قرنق مسئول كبير في جهاز الاستخبارات المصرية بزيارة الرئيس السوداني الاسبق جعفر نميري الذي طلب ذلك. فوافق قرنق تحت الحاح مضيفة. في ربع الساعة الاخيرة اجتمع ثلاثة من معاونيه معه وطلبوا منه التخلي عن فكرة الزيارة تحسباً لتداعياتها السياسية لكنه ابلغهم بأنها مجرد مجاملة وذات طابع انساني محض. في هذه الاثناء اتصل المسئول المصري طالباً من قرنق الاستعداد لمغادرة الفندق غير ان قرنق ابلغ مضيفه بأنه لا يستطيع الخروج الآن اذ انه يواجه معارضة داخلية ويتطلب الامر استقطابها او تصفيتها اولاً. لم يصف قرنق المجموعة بل استجاب لضغطها ولم تتم الزيارة. ليس المقصود ابانة الجانب الديمقراطي في شخصية قائد حرب العصابات ربما كان هذا سلوكاً متحضراً في عاصمة مثل القاهرة لكن لو حدثت مثل هذه المعارضة في الغاب فسيكون حتماً التصرف مغايراً تماماً.