قال الفضل بن سهل للمأمون وقد سأله حاجة لبعض اهل بيوتات دهاقين سمرقند وكان وعده تعجيل انفاذها فتأخر ذلك، قال: يا امير المؤمنين، هب لوعدك مذكرا من نفسك، وهب لسائلك حلاوة نعمتك، واجعل ميلك الى ذلك في الكرم، حتى تشهد لك القلوب بحقائق الكرم، والالسن بنهاية الجود. فقال له امير المؤمنين: قد جعلت لك اجابة سؤالي عني بما ترى فيهم، وآخذك في التقصير فيما يلزم لهم من غير استئمار او معاودة في اخراج الصكاك من احضر الاموال متناولا. وقال له يوما: يا امير المؤمنين اجعل نعمتك صيانة لوجوه خدمك عن اراقة مائها في غضاضة السؤال، فقال: والله لا كان ذلك الا كذلك. وفي ذلك حكى ابو وجرة الاسلمي انه لما قدم على المهلب بن ابي صفرة، فقال: اصلح الله الامير، اني قطعت اليك عرض الدهناء (الصحراء الواسعة) وضربت اليك آباط الابل من يثرب فقال: اتيتنا بوسيلة او عشيرة او قرابة؟ قال: لا، ولكني رأيتك لحاجتي اهلا فان قمت بها فأهل لذلك انت، وان يحل دونها حائل لم اذمم يومك ولم أيأس من غدك، قال المهلب: يعطى ما في بيت المال، فوجد فيه مئة الف درهم، فدفعت اليه واخذها، وقال: يا من على الجود صاغ الله راحته فليس يحسن غير البذل والجود عمت عطاياك من بالشرق قاطبة فأنت والجود منحوتان من عود ـــــ بين الراعي والرشيد لما حج هارون الرشيد فقيل له: يا امير المؤمنين قد حج شيبان الراعي، قال: اطلبوه لي فطلبوه فأتوا به فقال له: يا شيبان عظني، قال: يا امير المؤمنين انا رجل ألكن لا افصح بالعربية، فجئني بمن يفهم كلامي حتى اكلمه فأتي برجل يفهم كلامه، فقال له بالقبطية: قل له يا اميرالمؤمنين ان الذي يخوفك قبل ان تبلغ المأمن انصح لك من الذي يؤمنك قبل ان تبلغ الخوف، فقال له: اي شيء تفسير هذا؟ قال له: يا امير المؤمنين الذي يقول لك اتق الله فانك رجل مسئول عن هذه الامة استرعاك الله عليها وقلدك امورها وانت مسئول عنها فاعدل في الرعية واقسم بالسوية وانفر في السرية واتق الله في نفسك، هذا هو الذي يخوفك فاذا بلغت المأمن امنت، هو انصح لك ممن يقول لك انت من اهل بيت مغفور لهم، وانت قرابة من قرابة نبيكم وفي شفاعته، فلا يزال يؤمنك حتى اذا بلغت الخوف عطبت، قال: فبكى هارون حتى رحمه من حوله، قال: زدني، قال: حسبك ان وفقت. ـــــ مغزى القول يحكى ان مخارق بن عفان ومعن بن زائدة تلقيا رجلا ببلاد الشرك ومعه جارية لم يريا مثلها شبابا وجمالا فصاحا به ليخلي عنها، ومعه قوس فرمى بها واهابا الاقدام عليه ثم عاود ليرمي فانقطع وتره وسلم الجارية واشتد يعدو في جبل كان قريبا منه، فابتدرا الجارية وفي اذنها قرط فيه درة فانتزعاها من اذنها، فقالت: وما قدر هذه لو رأيتما درتين معه في قلنسوته، وفي قلنسوته وتر قد اعده ونسيه من الدهشة، فلما سمعا قول الجارية تبعاه وصاحا به: ارم القلنسوة وانج بنفسك، فلما سمع قولها ذكر الوتر فأخذه وعقده في قوسه فوليا ليست لهما همة الا النجاء وخليا عن الجارية.