تتعدد أنواع المقاومة التي تتبناها الدول والشعوب في الدفاع عن قضاياها المصيرية وحماية مكاسبها الوطنية والذود عن وجودها، اذ نجد أن البعض مثلا يفضل المقاومة المسلحة، في حال كان بلده أو جزء منه محتلا، فيما يفضل آخرون المقاومة السلمية المتمثلة في التظاهرات والاعتصامات والاضطرابات، باعتبارها وسيلة حضارية، بينما يرى فريق ثالث ان المقاطعة الاقتصادية تعد نوعاً مهماً وناجحاً من أشكال المقاومة، هذا بالاضافة الى اقتناع اطراف أخرى بأهمية المقاومة الفكرية والثقافية. لكن في الفترة الأخيرة دخل نوع جديد من المقاومة حيز التداول وتوقع له البعض انتشارا ورواجا منقطع النظير، نظرا لسهولة القيام به وممارسته في أي وقت وفي أي مكان. النوع الجديد جاء من بلاد الرافدين، وهو المقاومة بالطباشير، أي استخدام الطباشير في كتابة شعارات معادية للدول التي تكره العراق أو تعاديه وتساهم في ابقاء الحصار مفروضا عليه. ففي الاسبوع الماضي التقطت عدسات المصورين صورة لأحد المسئولين العراقيين وهو يكتب وبجانبه عدد من المسئولين شعارات معادية لأميركا على الأرض، وبالتحديد الشعار الشهير «تسقط أميركا» الذي رفعه مؤيدو الثورة الاسلامية في ايران عند قيامها، وانتقل تدريجيا الى العراق بفعل التجاور الجغرافي وتشابه الضغوط والتهديدات الأميركية. والواقع أن المتأمل لهذه الظاهرة، أي المقاومة بالطباشير، وما سبقها من تمزيق وحرق الأعلام والدمى التي تمثل هذا الرئيس أو ذلك المسئول الغربي يلحظ على الفور أن العالم العربي لا يزال يتعامل مع قضاياه المصيرية بأساليب ومواقف رومانسية بعيدة كل البعد عن الواقعية التي نحتاجها عند حل أي مشكلة أو مواجهة أي معضلة. فالعراق المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات، مازال عليه ـ في نظر أميركا والغرب ـ فواتير سياسية مستحقة الدفع، وأن اوانها آن، وعليه أن يبادر إلى ايجاد حل لها لتجنب المزيد من العواصف وهذا بالتأكيد لن يتم الا عندما ينتهي من الكتابة على الأرض. اما أميركا المصممة على تكرار السيناريو الأفغاني، فلن يردعها تمزيق علمها أو حرق دمية لرئيسها وكتابة شعار معاد لها على الأرض عن تحقيق أهدافها التي تعرفها جيداً، وتستخدم كل ما في وسعها للوصول اليها. لذلك نحن هنا أمام حالتين: الأولى الانشغال عن مواجهة التحديات الحقيقية بأمور لا جدوى منها، والثانية اصرار واضح على تحقيق الهدف من أجل مصالح آنية ومستقبلية. ولكي نستطيع ان نتخطى الحالة الأولى للوصول الى الثانية، علينا ان نتخلص أولا من تراث «الدجل» السياسي الذي عرفناه في العالم العربي، وان ننظر الى التحديات التي تواجهنا بشكل عقلاني وواقعي حتى يمكن ان نتغلب عليها. واذا لم نفعل ذلك، فعلينا ألا نقنع أنفسنا بأن كتابة الشعارات وحرق الاعلام هو نوع من المقاومة، بل يجب ان ندرك ان ذلك هروب من الواقع وعجز عن مواجهة تحدياته.