لن أبدأ زاويتي بنكتة حتى لا يتهمني أحد بأنني أرّوج نكات قديمة وبايخة خاصة وأن النكات والفكاهات أصبحت من سمات الشخصية المتفتحة، أو القيادية بعكس ما كان يردد سابقاً. فالشخصيات الجادة كالوزراء والسياسيين ومتخذي القرار في أوروبا وأميركا بدأوا يتّبعون سياسة «نكتة عالماشي» حتى يكسروا حاجز الجدية والتجهم الذي كان ومازال مسيطراً على تلك الفئة من البشر والذي أصبح عيباً في زمن العولمة. عموماً ليس ما هو أكثر جدية من الضحك، فهناك أشخاص يتخذون من الضحك وسيلة للتعامل مع ايقاع الحياة المتسارع والمتغير، بل إن البعض يضحك في مواجهة المواقف المحرجة أو المحزنة أحياناً، وبالتالي يساعد هذا الضحك على اخراج الشحنات النفسية والطاقات الداخلية الموجودة لدى الانسان، ولكن الافراد يختلفون في مدى قدرتهم على الضحك، فبينما نرى وجوهاً عابسة بطبيعتها حتى في أكثر المواقف اضحاكاً نكتشف وجوها أخرى تحركها نسمات الضحك ومداعباته المثيرة. ورغم تعدد المهرجانات التي تعنى بالضحك والفرجة في العالم إلا أن أغلبها لا يعدو سوى تظاهرة عامة تنتهي بانتهاء الحدث، ولكن المثير الآن هو ما يحدث وما يؤسس له في أوروبا وأميركا، فقد دشنت مدينة اربيناهايم في منطقة فيسبادن الألمانية أول معهد للتمرين على الضحك يقام في أوروبا، والفكرة تبدو غريبة لكنها ليس مدعاة للضحك إطلاقاً كما يشير الدكتور ميشيل برغر مدير هذا المعهد الفريد من نوعه والذي يؤكد أن الضحك تحول من مادة ترفيهية غريزية الى وسيلة طبية لمعالجة الأمراض انطلاقاً من قاعدة «الجسم السليم عبر الضحك السليم»! وضم الاجتماع التأسيسي للمعهد 150 عضوا بدأوا يتمرنون على دراسة فن الضحك كوسيلة لمعالجة انتظام دقات القلب وارتفاع ضغط الدم وسهولة الهضم والانهيار العصبي والاحباط. وحمل الدكتور ميشيل برغر فنون التمرين على الضحك من معهد هندي أسسه قبل عامين في بومباي الطبيب مادان كاتاريا ويضم حوالي 300 تلميذ من جميع أنحاء العالم يتمرنون على فنون وطرق الضحك المفيد لجسم الانسان. وفي الاجتماع التأسيسي الأول في ألمانيا قال الدكتور برغر ان فنون الضحك الصحي والسليم تمرّ عبر 11 درجة من التمارين يتخرج بعدها الطالب بصفة «استاذ ضحك» مخول رسميا من معهد بومباي بتدريس مادة الضحك في معاهد عالمية أخرى! ويبدو ان الابتسامة أصبحت عملة صعبة لذا اصبح لزاما على الانسان ان يدفع الثمن غالياً، ومن هنا وجد 150 شخصاً من العلماء والفكاهيين انفسهم يجتمعون من كل انحاء العالم ليبحثوا في دور الفكاهة في الحياة من خلال المؤتمر السنوي للجمعية الدولية للدراسات الفكاهية بواشنطن. هذا بعكس اعضاء نادي الضحك الهندي الذين يلتقون بشكل يومي في الصباح الباكر قبل الذهاب الى أعمالهم فيتبادلون النكات المثيرة ويذهبون وهم سعداء بأنفسهم وصحتهم وشخصياتهم المفعمة بالأمل. ويشير مدير النادي الهندي الى أن ميادين البحث في النفس البشرية كثيرة ومتشعبة وجميعها تحاول بطريقة أو بأخرى الكشف عن خبايا الشخصية، والقاء الضوء على جوانبها الخفية التي تتحكم في سلوك الفرد وتطوره نحو سعادته او شقائه. ويجب ألا ننسى ان الضحك هو التعبير الحقيقي والواضح عن الانسانية، ومنها نحاول أن نؤسس وبصدق مشروعاً انسانياً يسمى الابتسامة الصادقة. ولا يتبقى لنا وللأخوة المسئولين من سياسيين ووزراء الا أن نقترب من حدود الضحك بعد ان أصبح لغة عالمية يدرس في المعاهد ويدرب على فنونه الرؤساء والسياسيون في العالم، بل ويحث عليه الاطباء والباحثون والعلماء المتخصصون والذين يؤكدون في كل مرة على أهميته وجدواه لصحة الانسان.. فقد أكد فريق أميركي مختص في مجال الأعصاب والدماغ من جامعة نيويورك ان الضحك ظاهرة معدية تنتقل من انسان لآخر بشكل تلقائي، وهي صحية ومفيدة للقلب والأعصاب ولجهاز المناعة أيضا. وتقول الدراسة التي أُجريت على الآلاف من الرجال والنساء من مختلف الشرائح العمرية ودامت لما يقارب من خمس سنوات أن الضحك يخرج المرء من حالات الاحباط واليأس والاكتئاب ويسلي عن النفس ويبعد خطر الاصابة بأمراض كثيرة منها الأمراض القلبية، وله تأثيرات ايجابية على المرضى بأمراض نفسية أو عضوية، وأن القلة القليلة من البشر هي التي تصمد ولا تطالها عدوى الضحك في الأجواء الضاحكة. بينما أعلن فريق آخر من العلماء أن الضحك على مواقف الحياة هو الطريقة المثلى لضمان حياة طويلة وقلب قوي ولهذا يطالب هؤلاء بضرورة تأسيس النكتة ومنهجة الضحك والاحتفاء بأولئك المرهفين من نجوم الكوميديا الذين زرعوا بكل شفافية لغة الضحك وانتزعوها من القلوب المتواصلة بالحزن.. فالحياة ليست جداً فقط، بل هي جد وضحك ولعب. وما دامت الحياة هكذا وما دام الضحك هو السبيل لمعرفة فلسفتها فلماذا لا نضحك؟ ولماذا لا نتعاطى حبوب الضحك صباحاً ومساءً ولماذا نترك التجهم يسيطر على وجوهنا ويغزو قلوبنا. أخيرا لا أملك سوى أن أقول: اضحك عليها تنجلِ!! مع الاعتذار.