حينما قدم الرئيس الاميركي جورج بوش مشروعه التعتيمي لم تكن القضية الفلسطينية عربياً واقليمياً وحتى داخلياً بحالة متوازنة ،نسبياً، كحالتها التي تمتعت بها مع بداية الانتفاضة، وامام هذا الواقع المضطرب الذي يسود المنطقة عموماً لم يلاق بوش الاعتراضات الواضحة على مشروعه، خاصة انه وبطريقة ملتوية حاول ان يحول ظاهرة القضية الفلسطينية الجماعية الى ظاهرة فردية تتمثل بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومطالبته بالتنحي والاصلاحات في آن معا وضمن المفاهيم العامة. وبذلك يبدو ان المفهوم الخاص بات يتغلب على شكل السياسة الاميركية، وينسحب هذا بالطبع على السياسة الاسرائيلية التي غالباً ما توجه اعلامها ضد شخص عرفات او رموز السلطة الفلسطينية، وهذا الهدف بات يمارس عمليا ليخفف من هول المجازر التي يرتكبها الكيان الصهيوني في الاراضي الفلسطينية من الضفة الى غزة، ثم يعود ليربط تحركاته بالمفهوم الاميركي «الطارئ» حول مكافحة الارهاب من جهة، ومطالبة الفلسطينيين بالديمقراطية من جهة ثانية كما تفعل واشنطن. ديمقراطية ولكن!! لعل الولايات المتحدة التي تقدم نفسها كحامية للديمقراطية وحقوق الانسان في العالم استطاعت ان تنقل هذه العدوى الى الكيان الصهيوني الذي بات يركب موجة بوش في مكافحة الارهاب من جهة مع مطالبة الفلسطينيين بالديمقراطية من جهة اخرى، ولكن هل حقيقة ان اسرائيل تريد من السلطة الفلسطينية ان تكون ديمقراطية و ان تقوم بالاصلاحات وكل ذلك والاراضي الفلسطينية ما زالت من الناحية العملية محتلة كونها تقع تحت الحصار الدائم؟ وقضية الديمقراطية التي تأتي من الارهاب الاسرائيلي بالتأكيد لن تكون سوى شعارات خارجة من عقلية الصهيونية التي ما زالت تنافس العقلية النازية في التطرف وعملياً في المجازر اليومية، وهنا تبدو الرؤية الاميركية ـ الاسرائيلية المطالبة بالديمقراطية الفلسطينية مرهونة بنمط التفكير السياسي الذي تمارسه واشنطن على العالم كي تحوله الى كتلة عولمية تابعة بكل اشكالها، كي تخدم القطب الواحد. ومجرد نمطية التفكير هذه تهيئ رعاية كاملة لاسرائيل كي تقوم بتدمير كل ما هو فلسطيني مؤقتاً وكل ما هو عربي لاحقاً. ان شكل الديمقراطية في الخطاب الاميركي اليوم يبدو خارج الأطر السياسية العالمية المتعارف عليها، فتدخلات الدول وان كانت كبيرة في الشئون الداخلية لبلد ما لم تكن اطلاقاً وفي اية مرحلة من مراحل التاريخ مباحة، وان كانت بعض التدخلات قد حصلت فهي بطبيعة الحال مرفوضة. اضف الى ذلك وبمعادلة بسيطة انه لا يمكن على الاطلاق ان يفرض الشكل الديمقراطي بالأشكال العسكرية او بالضغوطات الاقتصادية، خاصة ان هذه الاشكال تأتي من الخارج، واذا كان مفهوم الثورة الديمقراطية ينبع من حركة الشعوب ضمن اطارها السياسي الخاص والداخلي في آن معاً فإن التدخل الخارجي غالباً ما يكون ضد مصلحة الشعب والحكومات، ما يعني ان الولايات المتحدة تقوم الآن بدور جديد سيؤدي لاحقاً الى تغير في اساليب الحكم اولاً وطبيعة المجتمع ذاته ثانياً، وهذا لاينطبق فقط على العرب او الدول التي سمتها الولايات المتحدة بالمارقة ومعها المنظمات التي ادرجتها في قائمة الارهاب، بل سينتقل تدريجياً حتى الى الدول الحليفة لواشنطن والتي يمكن ان تطال حتى اوروبا التي بدأت تخشى على ديمقراطيتها من الخطر القادم من واشنطن. لقد استطاعت الولايات المتحدة ان تفرض رأيها على العالم او لنقل ما يمثل العالم سياسياً، ففي الاجتماع الرباعي الاخير اصر بوش على رفض رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، رغم كل الاعتراضات الدولية التي صدرت عن الاتحاد الاوروبي وروسيا ومعظم دول العالم بل ان وزير الخارجية الاميركي كولن باول اراد فرض ديمقراطية غريبة وليست غربية، مع ملاحظة تناقض كلمة (فرض) مع مصطلح الديمقراطية، حيث قال باول ان الشعب الفلسطيني مطالب ان يمارس حياته الديمقراطية وينتخب الرئيس الذي يريده، ولكن اياه ان ينتخب عرفات والا سيجلب عليه المآسي والحصار وبالطبع تفاقم الحالة المعيشية والحلم بلقمة العيش التي باتت حلم الفلسطيني حقيقة!! والواضح ان هذا المفهوم الاميركي للديمقراطية لم يعد بحاجة الى تفسير، بل لعل هذه السياسة صارت اليوم عنواناً رئيسياً لجورج بوش الذي لا يطالب بها فقط بل يطالب وبضغط شديد وبشتى الاساليب ان يقدم العرب التنازل تلو الآخر خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فالولايات المتحدة كانت تريد سابقاً الحل السلمي متماشياً مع قرارات الامم المتحدة ثم مع مرجعية مدريد، وبعد ذلك على اسس اتفاق اوسلو ونسيت كل ذلك في كامب ديفيد الثانية، والآن تريد فقط التعامل مع الوضع الراهن فيما يتعلق بالارض مع تقويض ياسر عرفات، وهذه العملية لا تنطبق فقط على القضية الفلسطينية بل على مجمل القضايا العربية كقضية العراق، وحتى الاقليمية كايران التي تريد لها ايضاً ان تغير حكومتها. ومع هذه الصورة الاميركية للديمقراطية فإن الكيان الصهيوني الذي اصبح يركب الموجة ذاتها التي تسير عليها واشنطن، يطالب هو الآخر بالاصلاحات ولكن هذه المطالبة ليست سوى نمط اشكالي لوضع القضية الفلسطينية في اطار ليس لها، بل هو في واقع الامر تلاعب على السياسة لبلورة الرؤية الاسرائيلية التي تعتمد على الحلول المؤقتة، لتستطيع من خلال ذلك تدمير البنية الفلسطينية خاصة بنية المقاومة وحركة الانتفاضة، وهذا الشكل من المطالبة شرح سره وزير الخارجية شيمون بيريز حين قال: «هدف الديمقراطية الفلسطينية المطالب بها ليس الديمقراطية بحد ذاتها بل تحقيق السلام». والحقيقة ان تحقيق السلام لم يعد هدفاً اسرائيلياً بقدر ما هو تحقيق لهدف ليست نهايته السور الواقي والطريق الحازم، بل لعله في واقع الامر وعلى اقل تقدير ما يراه زعيم حزب المفدال آفي ايتام الذي يدعو لقتل عرفات ومروان البرغوثي وسجن الفلسطينيين في سجن كبير حسب تعبيره، أو لعل الكيان الصهيوني يريد عمليا تطبيق نظرية الزعيم الروحي لحركة شاس عوفاديا يوسف الذي يدعو لقتل العرب جميعاً. ان الفلسطينيين اليوم يعيشون حالة سجن دائم فهم يتواجدون في كانتونات متقطعة الاوصال ويتنقلون ان استطاعو ذلك بين (127) حاجزا اسرائيليا في الضفة الغربية وحدها، مع حظر شبه دائم للتجول وقصف يومي وتدمير وتجويع يجعلهم يشدون بطونهم بصخرة وليس بحجرة، اضافة الى تدمير مقار السلطة واغلاق المؤسسات العامة والخاصة التي ابتدأت عمليا بإغلاق بيت المشرق ولم تنته باغلاق المكاتب الادارية لجامعة القدس وبينهما السيطرة على 11 مؤسسة في القدس منذ العام الماضي. ويبقى السؤال ماذا وراء كل ذلك؟! إن المشكلة لا تكمن في الاجابة التي اصبحت واضحة، بل في معرفة طرائق التفكير المتناغمة بين واشنطن وتل ابيب، هذه الطرائق التي تحاول ان تضع القضية الفلسطينية وحتى القضايا العربية في نفق اكثر اظلاما. تناغم مزدوج ويبدو ان حالات هذا التناغم لم تكن في واقع الامر حالات طارئة كما يعتقد البعض او كما يقال بأنها اتت بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، والواقع انها اتت ضمن شكلها الحالي مع وصول الرئيس الامريكي جورج بوش الى البيت الابيض ومحاصرة اللوبي الصهيوني له في فترة الانتخابات وما بعدها. فمن المعروف ان بوش حاول ان يجعل ـ منذ تسلمه الرئاسة ـ قضية الصراع العربي الصهيوني في آخر اوراق اجندته، ولكن سرعان ما دمج هذه الاوراق في ملفه الخاص بالحرب ضد الارهاب، بل ان الواقع يقول انه وجد احداث سبتمبر مبررا ومنفذا ليضع القضية الفلسطينية في المقدمة، ولكن حسب رؤية تل ابيب خاصة ان الاخيرة بدأت تعاني من مشاكل حقيقية جراء فعل الانتفاضة وانفعال الشارع العربي. وضمن هذه الوقائع مجتمعة صار شارون يبحث عن محور يحميه على الاقل من سكاكين ناخبيه الذين قد يستغنون عنه سريعا، مما دفعه لأن يستنجد بجورج بوش ضمن زياراته المتكررة له، وبالمقابل يسعى لتقويض اي عمل عربي مشترك، خاصة بعد الاجماع العربي على مبادرة قمة بيروت التي قابلها شارون مباشرة بمجازر رام الله وجنين من جهة، وبمؤتمر اقليمي من جهة ثانية في محاولة منه لزعزعة مفاهيم المبادرة العربية وبالمقابل سانده جورج بوش بمؤتمره العالمي الذي وضع له شروطا لا تتصل اطلاقا بالمفهوم الاساسي للصراع العربي الصهيوني، خاصة فيما يتعلق بقرارات الأمم المتحدة ومرجعية مدريد وحتى اتفاق اوسلو وما تلاه. ومع كل الحسابات الأميركية اتت طروحات جورج بوش لتغلق الطرق التي كان من الممكن فتحها، ومع كل هذه التعمية والانحياز اعتبرت بعض الاجنحة الاميركية ان جورج بوش يقدم تنازلات للعرب، وبالطبع فإن هذا الرأي يمثله جناح الصقور الذي يتزعمه نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد، وهما لا يريدان في الواقع تقديم أية حلول كون مصالح الولايات المتحدة لن تتأثر اذا بقي الوضع القائم كما هو. وبالطبع هذا الطرح في جوهره هو طرح شاروني يرضي الحكومة الاسرائيلية التي تسعى لسياسة الخطوة خطوة، حيث تستطيع من خلالها كسب ما كان مستحيلا في السابق، بمعنى ان ارغام الفلسطينيين على التنازل تلو التنازل لن يكون إلا بالضغط عليهم ومحاصرتهم، والواقع ان هذا الخيار الشاروني صار عنوانا واضحا للحكومة الاسرائيلية حتى اركان اليسار الذي يمثله حزب العمل وعمليا يمثله بيريز رغم انه لا يتزعمه، ركب الموجة الشارونية ذاتها، فقد قال في مقابلة مع صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية عن اعادة الاحتلال بأنه «مؤقت» مع التذكير بأنه كان يرفضه، ولكنه اليوم وبرأي بيريز لمكافحة الارهاب، ومع كل تصريحاته السابقة والتي تدعو الى الاتصال بالسلطة الفلسطينية واحياء العملية التفاوضية فإنه يستبعد اي اتصال مع عرفات، بل لقد هدد في لقائه الصحفي بإعادة فرض السلطة الاسرائيلية المباشرة على كافة المناطق الفلسطينية. ان الواقع السياسي في هذه المرحلة يدلل بشكل لا يقبل الشك ان الكيان الصهيوني يعمد الى التضليل والتعمية على ما يجري داخل الاراضي الفلسطينية، فاحتلال المدن ومحاصرتها اليوم لا يختلفان من حيث الوحشية عن الاحتلال في السابق، وقصف غزة لا يختلف عن قصف الضفة الغربية. ولكن نقطة الاختلاف التي نلحظها اليوم تتمثل في القدرة الاعلامية الصهيونية على تصوير الحدث بطريقتها من جهة، وانشغال الواقع العربي الرسمي والشعبي باطار بعيد عما يجري داخل فلسطين، فقد صار الحدث الفلسطيني يصور على انه حدث يومي، ولكن واقع الحال يفرض علينا نمطاً جديداً من التفكير خاصة ان المستوى السياسي الذي تمر به القضية الفلسطينية يعتبر عمليا اشد تأزما من مرحلة محاصرة عرفات، فأرقام الشهداء مازالت في ارتفاع والحصار مازال قائما. ولعل المستوى السياسي فالمشاريع التي تريد تصفية القضية اصبحت اكثر خطورة، فموضوع اللاجئين اصبح يدخل في حيز الخطط والمشاريع وكيان الدولة الفلسطينية يراد له ان يكون كيانا مؤقتا تغلب عليه الصفة الامنية التي تهدف الى حماية الكيان الصهيوني، وحتى ان كل هذه الحلول هي في الواقع حلول طويلة الأمد ولن تعطي الفلسطينيين الحد الادنى من حقوقهم. لذلك فإن الحالة الفلسطينية اليوم هي الحالة الاكثر خطرا مع كل الاخطار التي احاطت بها في السابق، وما هو مطلوب اليوم من الفلسطينيين والعرب يعتبر الاكبر في تاريخ الصراع كونه يشكل المرحلة الحاسمة للعرب من جهة ولم تريده واشنطن وتل ابيب، وهو لن يكون الا نكبة جديدة تضاف الى نكباتنا العربية. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق