راحت «سكرة» الفرحة والتفاؤل ببداية النهاية للأزمة السياسية المحتدمة في السودان إثر الاعلان عن تفاهم ماشاكوس بين حكومة الإنقاذ ، وبين الحركة الشعبية بزعامة جون قرنق، ثم لم تمض سوى أيام حتى جاءت «فكرة» الإقامة وسبر الاغوار، وإلى أي مدى كان الحرص على الالتزام بوحدة السودان ومصالحه العليا، وإلى أي مدى كذلك توافر للإرادات السياسية الحرية والاستقلالية الكفيلة بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بين الجانبين، وحيازتها بشرط المشاركة وقبول الاجماع القومي، وقطع الطريق على المؤامرات الخارجية التي تستهدف إجهاض العلاقات والمصالح المشتركة بين السودان وأشقائه وجيرانه! ولعله من الأحوط التذكير بأن موعد كتابة هذا المقال يسبق الجولة الثانية من المفاوضات المزمع استكمالها لما تم الاتفاق عليه بين الجانبين يوم 12 أغسطس الحالي، خاصة في ضوء تجدد القتال الضاري قرب منابع البترول في أعقاب اللقاء الودي بين الرئيس البشير وقرنق في كمبالا، ولعله يشير تحديدا إلى محاولة كل من الحكومة والحركة الشعبية تحقيق انتصار عسكري تكتيكي على خصمه، لعله يحسن من أوضاعه التفاوضية حول الاتفاق النهائي على نهاية الحرب الأهلية وكيفية إدارة الصراع أو الوفاق خلال المرحلة الانتقالية، ومن هنا تبدو مصداقية المقولة الشهيره المنسوبة لمترنيخ وزير خارجية النسما إبان القرن التاسع عشر: انك لا تستطيع أن تصل على مائدة المفاوضات أبعد مما يصل إليه مرمى مدافعك، وهو ما يفسر كذلك نجاح أميركا في ممارسة ضغوطها الرادعة والمكثفة على الجانبين في الجولة الأولى من المفاوضات. وليت هذه الصيغة تمثل الخطوة الأولى نحو قيام نظامين في المستقبل وخضوعهما فيدراليا لسلطة واحده حسب المشروع الذي سبق وأعلنه المبعوث الأميركي الخاص بالسودان، لكنه وبكل تأكيد حق يراد به باطل، فمن يضمن نتيجة إطلاق يد قرنق وقوات الحركة الشعبية في تصريف شئون الجنوب على مدى السنوات الست التي حددتها مذكرة التفاهم للفترة الانتقالية أليس من المرجح استغلال هذه الفترة القصيرة لا لتضميد جراح أبناء الجنوب من ويلات الحرب الأهلية وجذبهم إلى التعايش مع أشقائهم أبناء الشمال تحت مظلة الوحدة، وإنما شحنهم بالكراهية والانتقام عبر التصويت للانفصال عن الوطن الأم؟ صحيح أن قرنق الوحيد في زعامات الجنوب الذي طرح حل مشكلة الجنوب في إطار السودان الموحد، وأنه على حد شهادة الرئيس عمر البشير ـ بعد لقائهما في كمبالا الأسبوع الماضي ـ لم يكن يوما من الأيام انفصاليا، لكن متى تبنى السياسات التي تتعلق بمصائر الأمم والشعوب على موقف زعيم أو تنظيم سياسي بعينه، خاصة وأن اميركا وبريطانيا تحديدا ومنظمات كنسية تبشيرية مشبوهة لن تألو جهدا في تغييب وعي أبناء الجنوب وحضهم على الانفصال عبر مغريات شتى، فهل يعد ذلك مبررا وسبباً آخر لضرب الصديق الاميركي عرض الحائط بالمبادرة المصرية الليبية، لأنها كانت تسعى إلى جمع ألوان الطيف السياسي والجهوي في السودان حول مائدة مفاوضات الحل الشامل، وقناعة أبناء الجنوب الطوعية بوحدة السودان تحت مظلة نظام ديمقراطي وتعددية سياسية وعرقية وثقافية، وضمان إعادة تقسيم السلطة والثروة والتنمية المتوازية بين ربوع السودان وكفالة حقوق المواطنة المتساوية لكافة أبنائه، لكن أن تطال مذكرة التفاهم قضية اقتسام الثورة بين الجنوب والشمال، فالمعنى هنا جد مختلف وبالغ الخطورة.. أولا، لأن الثروة تكمن في البترول تحديدا، بما لا يجوز اقتسامه وإنما ضمان التوزيع العادل لعائداته على خطط التنمية في مختلف الأقاليم، وثانيا، لأن معظم الثروة البترولية التي تم اكتشافها واستثماراتها كامنة في الجنوب، ولابد إذن من فصل الجنوب أو الانفراد به توطئة لاستعادة نفوذ شركة «شيفرون» الاميركية التي تخلت عن امتيازها لشركة «كونكراب السودانية» ثم خلفتها مجموعة من الشركات الصينية والماليزية والكندية، لا لأن الخبراء يؤكدون على أن الجنوب والسودان عموما يعوم فوق بحيرة من الاحتياطيات البترولية الضخمة فحسب، وإنما أيضا لأن اللوبي البترولي وهو أكبر سند سياسي واقتصادي للرئيس بوش، لن يتورع عن فعل المستحيل للهيمنة على ثروات العالم البترولية.