في اللحظة التي طارت فيها الورقة من يده وأنحنى لالتقاطها فوجئ الرجل بوابل من الرصاص يمر فوق رأسه.. ويصيب عمامته.. ويمزق حجاب السكون من حوله.. والمؤكد أن الصدمة كانت مروعة فصاح الرجل «الله حي».. وحبس أنفاسه كي يتصوره القاتل المحترف أنه فارق الحياة.. وعندما اطمأن على سلامته راح يحرض الناس على مطاردة القاتل.. ونجح في القبض عليه.. وتكبيله بالحبال.. وتسليمه إلى الشرطة. لو لم تطير الورقة.. ولم ينحن الرجل لالتقاطها.. ما كنا قد عرفنا الفيلسوف المصري الشهير عبدالرحمن بدوي.. الذي عاد الينا بعد طول غياب دام 25 سنة قضاها في منفاه الاختياري.. ليموت من هنا.. لينطلق الى السماء من هنا.. فالرجل الذي كاد يقتل مع سبق الاصرار والترصد هو أبوه.. ولو كان قد قتل لما ولد عبدالرحمن بدوي بعد ذلك الحادث بأربعين شهرا.. في 4 فبراير عام 1917. إن ذلك ماجعله يلخص مشوار حياته في جملة واحدة مكثفة: «بالصدفة أتيت إلى هذا العالم وبالصدفة سأغادر هذا العالم».. ولكن. بين صدفة الميلاد وصدفة الموت ـ وهي مسافة تمتد نحو 85 عاما ـ حفر عبدالرحمن بدوي حياته وصنع مواقفه وخاض معاركه وعبر بجرأة تقترب من القسوة عن آرائه.. فهو لم يكن يكتب.. وإنما كان يضرب ويلاكم. ولكن.. عندما رحل عنا لم تنل جنازته الشهرة التي نالتها جنازة سعاد حسني أو صالح سليم أو عبدالحليم حافظ.. وبالطبع جنازة جمال عبدالناصر.. إن الفيلسوف الذي أفنى عمره في تفسير ظواهر الوجود والعدم والموت والبعث لم يجد حماسا من الناس في وداعه والبكاء عليه.. وهو قدر المفكرين الذين لا نعرف قيمتهم الا بعد أن نفقدهم.. ونحسم تصوراتنا عنهم بعد ان يكونوا قد غابوا عنا.. في رحاب الله. وربما كانت سنوات الغربة الطوال والممتدة نحو ربع قرن من الزمن هي التي باعدت بينه وبيننا.. لقد نسانا فنسيناه.. هجرنا فهجرناه.. انتمى الى عالم اخر.. فشعرنا أنه لم يعد منا حتى لو ولد بيننا.. وتربى على ارضنا.. فالوطن علاقة تفاعل حي وليس مجرد شهادة ميلاد يصيبها الاصفرار والتقادم. على أن هناك من يصر على أن مقاطعة جنازته سببها اشتباكه الدائم مع كل الذين عبروا في طريقه واعتراضه عليهم ومواجهتهم بكلمات من خناجر وسكاكين واسلاك شائكة.. وهي كلمات لم يقلها في مجالس مغلقة وانما نشرها علنا في مذكراته «سيرة حياة» وهي مكونة من جزأين.. وتقع في 765 صفحة.. وظلت حديث الناس والصحف ومجالس المثقفين منذ نشرها قبل نحو عامين. إن كتابات عباس محمود العقاد في رأيه «تثير البرودة والسأم» و«أسلوبه يثير النفور» بالاضافة الى انه كان مأجورا لحزب الوفد.. والدكتور طه حسين كان يبلغ البوليس عن زعماء الطلبة المعارضين في كلية الآداب «يوم كان عميدها» مستعينا في ذلك ببعض الجواسيس من الطلبة.. وسعد زغلول كان قبل ثورة 1919 على الأقل ينضح بالوصولية وممالأة المحتل البريطاني. فقد قبل ان يكون وزيرا في حكومة مصطفى فهمي وكان عميلا للانجليز.. ولم يكن مصطفى النحاس أفضل منه.. فهو القائل بعد مفاوضات الجلاء: «خسرنا المعاهدة وكسبنا صداقة الانجليز».. كما أنه وافق على ان يأتي به الانجليز الى السلطة على مواسير المدافع والدبابات «في حادث 4 فبراير 1942» بالاضافة الى مانشر عن حكومته الوفدية في «الكتاب الأسود» من فضائح سياسية ومالية.. وفي النهاية يصفه بأنه «طفل لا يزال يحبو في السياسة» أما جمال عبدالناصر فكان ديكتاتورياً متسلطا لا يصدق هو وصحبه سوى النفاق والدجل وكانت «مسرحية استقالته في يونيو 1967 من أحقر المهازل». ويمتد الهجوم الشرس إلى الامام محمد عبده ويشكك في كل ما نسب اليه من اجتهاد في الدين.. ولو كان ينسب اليه الاصلاح الديني فإن كل ماأفتى به هو اباحة لبس القبعة.. ولا يصدق موهبة أحمد أمين ويصفه بالحقد والغيرة وضيق الأفق.. ولا يرى من زكي نجيب محمود سوى انه كاتب مقالات خفيفة في الصحف لا تعطيه الحق في لقب فيلسوف الذي ظل الناس يعرفونه به حتى توفى.. ويحطم أسطورة الدبلوماسية المصرية الدكتور محمود فوزي ويقول: انه مجرد رقم.. نمرة.. حتى احمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة الذي كان عبدالرحمن بدوي معجبا به لم يسلم من الأذى والطعن والتنكيل.. فقد «تبنى دعوة حمقاء خرقاء لتحطيم الحانات في القاهرة والاسكندرية لينافس بذلك الاخوان المسلمين». وقد حاولت قدر استطاعتي أن أخفف كثيراً من تلك الآراء القاسية والتي خلفت وراء صاحبها مساحات شاسعة من المرارة جعلته يرحل عن الدنيا في جنازة متواضعة.. وان كنت أؤمن بأن موهبة نادرة ومتميزة مثله قل أن يجود بها الزمن من حقها أن تفصح عما تراه وتعترض على ما لا يعجبها.. وتتحدث بجرأة وصراحة يجب ان نحترمها.. من حقها أن تحطم الأوثان حتى لو صنعت من نفسها وثنا.. ولكن.. لكل رأى سبب. ولكل موقف مايبرره.. ويصعب فهم ما يقول دون أن تقترب من سيرة حياته. لقد ولد في قرية شرباص.. داخل زمام مركز فاراسكور.. محافظة دمياط.. ولد في اجواء ثورة 1919 ولكن والده لم يكن وفديا.. كان يؤيد الاحرار الدستوريين.. فهو حزب أكثر استقرارا في السلطة.. ووجوده في السلطة يعني أن تسيطر عائلة عبدالرحمن بدوي على العمودية.. خاصة وانها عائلة نجحت في امتلاك نحو 500 فدان.. وهو مامنحها قوة تضاعفت بتعليم ابنائها ليصبحوا نجوما لامعة ومتميزة في مجالات مختلفة من الحياة.. وأغلب الظن ان القرية ساهمت في تفتح مواهبه الفلسفية وان فشلت في تفجر رغباته الأدبية.. ومن ثم يعجز عن التعبير عما في نفسه من رومانسية طاغية بأسلوب أدبي رفيع.. جذاب.. لدرجة انه يقول بالحرف الواحد: «ما أبدع نقيق الضفادع إبان الليل كأنه تسابيح كورس مصحوب بنغمات الارغن».. وتتوقف أحاسيسه أيضا عند الزنابير التي «تطن طنينها الرتيب المتناغم». كان ترتيبه الخامس عشر بين واحد وعشرين ولدا وبنت.. إن هذا العدد الكبير من الاشقاء كان على مايبدو تعويضا هائلا عما جرى لجده الذي لم ينجب غير والد واحد من أباه.. أما هو فلم يتزوج.. وكان على مايبدو حذرا في الاقتراب من النساء رغم أن كتاباته كانت واضحة في احترام المرأة.. لكنه الرومانسية التي يقول: انه فطر عليها.. ولأني جعلته غارقا في الطبيعة المجردة الخالية من رغبات البشر.. فهو يرى المرأة جزءاً من لوحة فيها جبال وانهار وأشجار وسهول ووديان.. نوعا من لوحات الطبيعة الصامتة.. لقد سافر الى أوروبا وهو لا يزال طالبا في كلية الآداب وعرف فتيات ألمانيات ونمساويات كثيرات في ذلك السن التي يكون فيها الشاب مستعدا للوقوع في غرام أي انثى ولو كانت قطة برية.. لكنه كان يحرم على نفسه لمس أوجستا برونر الفتاة النمساوية التي استقر قلبه عليه في تلك المرحلة المبكرة.. كان يكتفي بالنزهة الخلوية بين اشجار العنب والتفاح والكمثرى.. وكانت النزهة تمتد في ضوء القمر حتى مطلع الفجر.. وقد فسر أفلاطونيته تجاهها بأنها نوع من تقديس المرأة والسمو بمعنى الحب.. كان يعتقد على حد قوله بأن القبلة تدنس الحب وتسقط المحبوبة من عينه.. وهي على حد قوله أيضا: «سذاجة مقدسة» وقد سئل ذات مرة: لماذا لم تتزوج؟.. فأجاب: لأني آثرت التفرغ للعلم وحده ولم أرد أن يشغلني عن العلم والبحث العلمي شئ! وأغلب الظن ان «سذاجته المقدسة» سببها طفولته الخالية من المتاعب التي قضاها في قريته بين الغيطان.. وفي سن مبكرة وهو تلميذ في المدرسة الابتدائية حفظ رواية «ماجدولين» التي صاغها مصطفى المنفلوطي عن رواية «تحت ظلال الزيزفون» التي كتبها الفوس كار.. وقد كان المنفلوطي ـ المتخرج في الازهر ـ قد سيطر على جيل عبدالرحمن فهمي بأسلوبه الساحر العذب الذي كان يحلق بعيدا في السماء.. ويخلط بين الزهور والنساء.. ويجمع الحروف الناعمة وكأنه يصيغ لوحات رومانسية من الفسيفساء. ولو كانت رومانسيته مفاجأة فإن تفوقه ليس مفاجأة.. فقد كان ترتيبه الثاني في الثانوية العامة على مستوى القطر المصري. وكان ذلك في عام 1934. وعندما حصل على ليسانس الآداب في عام 1938 كان ترتيبه الأول على أقسام الكلية وليس الأول فقط على قسم الفلسفة.. وهناك دليل خاص على تفوقه.. هو أن الدكتور طه حسين وكان عميدا لكلية الآداب قد أصر على سفره الى أوروبا في بعثة صيفية ـ وهي بعثات كانت مخصصة للمعيدين والمدرسين المساعدين ـ وكان لا يزال طالبا في السنة الثالثة.. وقد أحدثت هذه الرحلة تطورا كبيرا في حياته على حد قوله. لكنه قبل ان يعرف طريقه الى الفلسفة جرب طريق السياسة وقد تأثر بموقف أبيه من حزب الوفد وتحمس مثله للأحرار الدستوريين ثم وجد نفسه في الاتجاهات النازية والفاشية التي عبر عنها هتلر وموسوليني الذي ترجم كتابا عنه بعنوان «مذهبي» على غرار كتاب هتلر الشهير «كفاحي».. ويبدو ان حماسه لتلك الاتجاهات هي التي جعلته معاديا للشيوعية والناصرية فيما بعد.. لكن المؤكد ان حماسته لتلك الاتجاهات هي التي جعلته ينضم الى حزب «مصر الفتاة» الذي أسسه أحمد حسين.. وراح يكتب في صحيفة الحزب باسمه ثم خانته شجاعته فكتب دون توقيع بعد ان اصبح معيدا في كلية الآداب. وقد كتب مقالا عن مصرع مؤسس الحرس الحديدي في رومانيا في الوقت الذي دعا فيه احمد حسين الى تحطيم الحانات والبارات وهو مااعتبرته الحكومة تحريضا على العنف.. وقررت تقديم صاحب المقال الى جهات التحقيق.. لكن.. المقال لم يكن موقعا ولم يعترف عبدالرحمن بدوي بأنه كاتبه وترك رئيس التحرير محمد صبيح يتحمل مسئوليته.. ثم ترك الحزب بعد أن شعر بالمغالاة الدينية لزعيمه وبعد ان تغير اسم الحزب الى «الحزب الوطني الاسلامي» وبعد ان كتب أحمد حسين رسالة الى كل من هتلر وموسوليني يدعوهما لاعتناق الاسلام وصاغ الرسالة على غرار الرسائل التي بعث بها النبي الى كسرى «عظيم الفرس» والمقوقس «حاكم مصر» والنجاشي «ملك الحبشة» وقد ترجم الرسالتين عبدالرحمن بدوي بنفسه. شعر عبدالرحمن بدوي أنه لم يخلق للابداع ولم يخلق للزعامة السياسية فتفرغ لكتاباته الفلسفية التي تجاوزت المائة والعشرين كتابا.. وكان أول اعماله بعد تعيينه معيدا في 15 أكتوبر عام 1939 هو كتابه عن الفيلسوف الألماني نيتشه.. وكان في مسودة الكتاب فصلا بعنوان «أصنام السياسة» حذفه ومزقه بعد أن قامت الحرب العالمية الثانية خوفا من الاحكام العرفية.. وقد قرأ الكتاب جمال عبدالناصر وأنور السادات كما صرحا مرارا.. لكن أشد الضباط حماسا للكتاب كان أحمد عبدالعزيز الذي استشهد في حرب فلسطين عام 1948. وقد أوصى بأن يكتب على قبره عبارة نيتشه التي جاءت في الكتاب: «لكي تجني من الوجود أسمى مافيه عش في خطر».. وأغلب الظن أن اعجاب جمال عبدالناصر المبكر بالكتاب جعله يعرف قدر عبدالرحمن بدوي وعائلته فلم يقف أحد في طريق ابنائها النابغين وفتحت كل الطرق التي يستحقونها أمامهم.. لكن.. تطبيق قانون الاصلاح الزراعي على العائلة في بداية الثورة ظل جرحا لا ينسى ولا يشفى.. فلم يكفوا عن الهجوم عليه حيا وميتا. لقد نسب عبدالرحمن بدوي كل الشرور لثورة يوليو.. ضياع الحرية.. اضطهاد الكرامة.. الخوف على النفس والمال.. النفاق.. التفريط في الحقوق الوطنية.. نقص السلع والخدمات.. فقدان الاتصال الثقافي بالعالم.. سيطرة الجهل على السلطة.. لكنه في الوقت نفسه لا يرى فضيلة واحدة من العصر الملكي.. فالأحزاب السياسية دب فيها الفساد والجبن والوصولية والنفعية.. والملك يعتمد على حاشية من الأفاقين والسماسرة.. والشعب لا يعرف كيف يخرج مماهو فيه.. عبدالرحمن بدوي في باريس يوم قامت الثورة.. وواضح انه تحمس لها وعمل معها في البداية.. فقد كان عضوا في لجنة الخمسين التي تشكلت في عام 1953 لوضع دستور جديد للبلاد.. وقد ضمت اللجنة ـ على حد اعترافه ـ نخبة ممتازة من السياسيين والقانونيين ورجال الاحزاب وقادة الرأى.. لكن بقيت الأرض التي أخذت من عائلته عائقا بينه وبين النظام الجديد في مصر. وكما قامت الثورة وهو في باريس وقعت الهزيمة وهو في باريس وقد وجدها فرصة ليبحث عن وطن اخر له.. فبقى في فرنسا يلقى محاضراته في السوربون.. ثم قرر العمل في الجامعة الليبية.. وقت السنوسية.. وكان مثيرا للدهشة.. فقد قال: انه ترك مصر بعد أن سدت في وجهه فرص التفكير بحرية.. وبعد ان حرمته الرقابة على المطبوعات من الحصول على أحدث الكتب والمراجع الأجنبية.. وهو من عائلة ميسورة لا يحتاج الى مزيد من المال.. وليس مسئولا عن أحد سوى نفسه.. وهو يعرف مطاعم باريس الرخيصة ويجيد تدبير حاله.. فما الذي جعله يذهب الى ليبيا ويعمل فيها؟.. ليس هناك اجابة على السؤال سوى انه كان يريد الثروة.. وهي على كل حال اجابة لا ينكرها.. وقد كان مستعدا للبقاء في ليبيا سنوات أطول مماقضاها هناك.. لكنه فوجئ بالقبض عليه دون سبب ظاهر وبعد عدة أيام أفرجوا عنه.. فقرر ان يفتش عن وطن اخر يلجأ اليه اليست ارض الله واسعة؟ بعد 25 سنة من الغربة عاد عبدالرحمن بدوي الى مصر.. كان الزمن قد بدأ ينتصر عليه مستخدما سلاحه التقليدي.. المرض.. وبدأ الفيلسوف الذي تفرغ لدراسة الموت عاجزا عن اقناعه بالابتعاد عنه.. وان كان الموت كريما معه.. فقد همس اليه: عد الى أهلك.. عد الى النهر والطمي وزهور القطن.. عد الى الخلود والبقاء والاستمرار ولو فنى الجسد.. واستجاب الرجل العنيد للنداء.. وعاد وهو يحمل مذكراته.. واخر كتابين وضعهما ويرد فيهما على الهجوم الضاري على الاسلام ورسوله الكريم.. جاء بكتابين في يمينه.. ووجد كل القلوب مفتوحة بالحب.. وكل العقول مستعدة للتسامح والغفران.. فنحن أقدم أمة.. واضعف ذاكرة.. وأشد الناس رغبة في جمع الاجزاء المتناثرة منا.. نحن أحفاد ايزيس. ـ كاتب مصري