«اذا يئسنا من سيوف جندك فاننا سنجعل المدينة المقدسة كيمانا من الرديم» (تهديد صليبي لصلاح الدين الايوبي ـ سبتمبر 1187م) جريمة أحمد علي منصور المأساوية يجب ان تقرع اجراس الخطر ليس في بيروت وحدها وانما في كل مدينة عربية من المحيط الى الخليج. ليس بسبب عدد الضحايا الضخم ولا بسبب خلفية مرتكبها النضالية وانما في الاساس لكون الجريمة استنساخا حرفيا لما يجري في المجتمع الاميركي من جرائم.. وكونها كائنا لقيطا في مجتمعاتنا العربية. فالذين ارتكبوا جرائم سواء من العرب والمسلمين على امتداد التاريخ لم يكونوا بهذه الفظاعة.. ربما يعرف المجرمون في مجتمعاتنا عداوة الاشخاص.. لكنهم ابدا لم يكنوا كل هذا الحقد تجاه مجتمعاتهم بأكملها.. لم نعرف المجرم الذي يحمل سلاحه ليقتل اول من يقابله على قارعة الطريق.. او كل من يعرفهم ومن لا يعرفهم في مدرسته او مكان عمله. لا اريد قبل ان تتضح الملابسات بشكل كامل ان استبق الاحداث.. ان اعلق امراضنا على شماعات خارجية.. غير ان طريقة التنفيذ تدفعني الى الظن بأن الجاني واحد من ضحايا العولمة المشوهة.. فنحن نعيش مرحلة من مراحل العولمة سماها سمير امين «امبراطورية الفوضى». ليست العولمة على اي نحو تعميم الجينز «سروال رعاة البقر» ولا تعميم الجرائم بطريقة تجعل احمد علي منصور يصبح بطلا لمشهد رعب تعود عليه الشارع الاميركي. كما انها ليست تعميم القيم الغربية المريضة التي تدعو لحرية شخصية منفلتة من اي عقال او ضوابط ولو حتى بمفهومها الانساني.. ليست تعميم الشذوذ الجنسي وثقافة اليأس.. والكفر بكل شيء.. والالاعيب القذرة للمخابرات.. بهذا الشكل لا يصبح في الامر عولمة من اي نوع.. وانما تتحول القصة الى مجرد مصادرة تاريخ وثقافة ومستقبل العالم لصالح ثقافة وطنية ضيقة قامت في الاساس على اسس اجتثاث الآخر.. واطلاق العنان للشهوات الحيوانية الكامنة في النفس الانسانية. بشكل شخصي افهم العولمة باعتبارها تعميم رؤى وقيما وافكارا وسلوكيات وحضارة لها ابعاد انسانية وتحررية، افهم العولمة باعتبارها نقلا للعالم من ظلمات الجهل والمرض والفقر الى آفاق العلم والصحة والرفاه.. افهمها باعتبارها محاولة تقوم بها الانسانية للاستفادة من التنوع القيمي والحضاري والاخلاقي الذي راكمه الانسان منذ هبوط ابينا آدم من الجنة الى هبوط اسعار اسهم بورصات العالم بسبب فضائح انرون ووورلد كوم!! اما عولمة الفقر والاستبداد ومصادرة ابسط حقوق البشر لصالح احط مؤامرات الـ CIA وادنى رغبات لوبي الصناعة والسلاح في واشنطن فتلك ردة تاريخية سيدفع العالم بأكمله ثمنها.. ولن يكون الثمن اقل من تقويض بنى الحضارة التي يفتخر الغربيون بصنعها.. وينكرون اي اسهام للشعوب الاخرى رغم ان اساس الحضارة نبت في الشرق.. وشاهدنا على امتداد التاريخ الحضارات الفرعونية والفينيقية والرافدين والصينية.. وظل الغرب يتخبط في مهاوي الجهل والتخلف والدكتاتورية حتى الثورة الصناعية.. حضارات الشرق تعدت عشرات القرون وحضارتهم لم تزد على خمسمئة عام منذ منبتها الاول. شيء جميل ان يتم تشريك البشر على امتداد المعمورة في لحظة زمنية معينة وان يتم تشريكهم في الاختراعات العلمية والثروات وارتياد آفاق المستقبل وقيم الحرية وحقوق الانسان وارساء قواعد المجتمع المدني ودولة المؤسسات والقانون.. ذلك هو الفردوس المفقود الذي تظل الانسانية باحثة عنه ما بقيت على قيد الحياة.. لكن ما هي علاقة ذلك بالواقع الذي نعيشه. الانسانية في اشد الحاجة الى ان يجتمع حكماؤها ـ في قصر او خيمة لا يهم ـ مثقفوها الكبار اولئك المهمومون ببناء حلم مشترك للبشرية لا مكان فيه لجورج سوروس ولا جورج بوش.. هؤلاء الحكماء مطلوب منهم ان يدفعوا البشرية حتى تفيق من الكوابيس التي تعيشها وان يدفعوها للتحرر من انياب اجهزة المخابرات وتجار السلاح وسماسرة البورصة وحفاري القبور، لماذا لا تأخذ مؤسسة عربية على عاتقها ضربة البداية في هذا الاتجاه فالثقافة العربية من الثقافات الكبرى في تاريخ البشرية.. ودورها مهم في بلورة فكر عالمي انساني جديد.. فكر يحترم الخصوصيات والهويات الوطنية ويعمم ما هو متفق عليه من قيم انسانية وعلمية وحضارية ودينية.. أليس ذلك افضل من تعميم سراويل الجينز والكنتاكي وثقافة الخوف واوهام التنميط.. واضفاء المشروعية على سلب مقدرات الشعوب تحت دعاوى اميركا الزائفة. في يوم الاحد 20 سبتمبر 1187م بدأ حصار صلاح الدين لاسوار مدينة القدس التي احتلها الصليبيون عام 1099م.. وأخذ يضيق الخناق عليها حتى يجبر حاميتها الصليبية المكونة من ستين الفا على التسليم صلحا حتى لا تتعرض المدينة للدمار حينها هدد الصليبيون بمعركة يائسة قائلين لصلاح الدين «اذا يئسنا من النجاة من سيوف جندك فاننا سنهدم المعبد والقصر الملكي وننقض حجارتها حتى الاساسات وسنحرق الامتعة والنفائس والكنوز والاموال وسنهدم جامع عمر والصخرة المقدسة وسنقتل ما لدينا من اسرى المسلمين.. وبعد ان تصير المدينة كيمانا من الرديم ومدفنا واسعا سنخرج للقتال قتال اليائس من الحياة». كان الصليبيون في رعب من ان يفعل بهم صلاح الدين مثلما فعلوا حينما احتلوا القدس.. وعلى حد ما يقوله المؤرخ المسيحي مكسيموس فان ديوان المشورة العسكري الصليبي انعقد وقرر ان يقتل كل مسلم بقي داخل المدينة المقدسة واستمرت المجزرة اسبوعا كاملا.. ومن هرب من المسلمين الى البيوت والاقبية قبضوا عليه وقذفوا به من اعالي البيوت والبروج في النار.. اما الذين احتموا بجامع عمر بن الخطاب فقد غدت دماؤهم سيلا علا الى حد لجم الخيل.. وبعث الصليبيون ساعتها برسالة الى البابا يفاخرون فيها بما فعلوا قائلين «اذا اردت ان تعرف ما يجري لاعدائنا فثق اننا في معبد سليمان (جامع عمر) كانت خيولنا تغوص الى ركبها في بحر دماء الشرقيين». صلاح الدين لم يكن اسيرا لثقافتهم ولم يكن قلبه يمتليء بالحقد مثل قلوبهم فمنحهم الامان وخرج الغزاة من المدينة بما يملكون لتتحرر القدس في ذكرى اسراء الرسول (صلى الله عليه وسلم) «27 رجب 583هـ ـ 2 اكتوبر 1187م» دون اراقة قطرة دم واحدة. اردت ان اذكر بهذا المشهد التاريخي حتى ندرك جميعا ان حضارتنا حينما تزدهر وتنتصر تنشر ثقافة التسامح في الكون وان حضارتهم لا مخزون لديها الا الدمار. احمد علي منصور مرتكب مجزرة بيروت ابن شرعي للحضارة الغربية التي افرزت اسوأ ما فيها بتولي الاميركيين زمام القيادة وليس الاوروبيين.. فالليبرالية الاوروبية مبنية على تفكير وتجارب تاريخية اما ليبرالية اميركا فهي ليبرالية مفاجئة مثلها مثل اثرياء الحرب. في حاجة نحن الى صلاح الدين لا لينقذ القدس وانما لينقذ العالم كله من مخالب رعاة البقر.