انتشرت في الآونة الاخيرة عدة مطاعم تقدم موائد مفتوحة فيها اصناف الطعام والمقبلات مقابل مبلغ 30 أو 40 درهما عن كل شخص يرتاد تلك المطاعم للغداء او العشاء. وهذه الظاهرة تزداد ايام الجمعة والعطلات الاخرى، فترى الناس يزحفون ظهرا الى مطعم بوفيه مفتوح لالتهام اكبر قدر ممكن من المقبلات والشوربات واللحوم والطبيخ والفواكه والحلويات مقابل مبلغ محدد وبما يتوافق مع المثل الشعبي «عرفت دمو اقتلو» فيتبارى الناس في املاء الصحون ودلق البطون حتى يبشمون، ودافع الناس لارتياد المطاعم المفتوحة ليس الجوع، بل التجربة لان تذوق جميع اصناف الطعام يسد النفس ولا يترك مجالا للاستزادة لذلك يملأ الناس اطباقهم من صنف ما ويتذوقون منه لقمة او لقمتين ثم يديرون بصرهم في الصالة وهم يصرخون «كرسون شيل هالصحن» فيشيل الكرسون الصحن ويدلقه في سلة قمامة عملاقة، ليسارع بعض الناس الى صنف ثان ليصبح مصيره مصير سابقه، وهكذا حتى لا تعتب عليهم التبولة او الفتوش او البابا غنوج او سلطة الموسم او مخلل الربيع او المسبحة او الحمص او الكبة النية او اقراص النعناع او المتبل بالرمان وبعدها ينطلقون صوب الباذنجان المطبق او اللوبية بالزيت او الباميه الخضراء او الكبة المقلية او افخاذ الفروج المقلاية ومن ثم يسددون سهام اطباقهم وشوكهم باتجاه الخروف المحشي فيردونه عظما مفصفصا ولا يوفرون السمكة الحرة التي يقزقزون اشواكها.. حسكة حسكة حتى تصير اثرا بعد عين وعندها يهجم حشد المجربين باتجاه البرياني دجاجا ولحما فيعيثون فيه تقليبا وطرطشة وفي طريقهم يعرجون على الشاكرية والملوخية والفاصوليا واللبنية والمقلوبة والمحاشي بأنواعها فيجبرون بخاطرها لقمة.. لقمة على الماشي.. وهم بين صنف واخر يصرخون «كرسون شيل هالصحن». والآن بعدما عددنا كل تلك الاصناف التي لم نحصرها بالكامل لشدة تنوعها وثرائها لان المطبخ الشرقي غني جدا، لا يمكن ان نضمن سلامة مجرب الطعام من الاصابة بعسر الهضم او النفخة المترافقة مع الغازات او السقوط مغشيا عليه لانه لم يمتثل للقاعدة الصحية لسلامة المعدة «ثلث ماء، ثلث هواء، ثلث طعام» فملأها بالطعام ودفع المعلوم وغادر البوفيه مترنحا من ثقل معدته. واجداد متذوقي طعام اليوم قالوا سابقا «قل لي من تعاشر اقول لك من انت» لكن اليوم تصح قاعدة قل لي ماذا تأكل اقول لك ما هي امراضك، لان الطعام اعدادا واختيارا وطريقة للتناول يشكل عنصرا مهما في ثقافة الفرد او ثقافة المجتمعات فكثرت الامثال التي ضربت في هذا الشأن ومنها في عملية تقسيم الوجبات صباحية ورئيسية ومسائية فقالت العامة: «تفطر وتعطر وتغدى وتمدى، وتعشى وتمشى» وجميعها لها دلالاتها الزمنية والصحية اذ بعد الافطار يتعطر المرء ويذهب لعمله ومن ثم يتناول الغداء ظهرا ويستريح قليلا، ومساء لا ينام المرء بمعدة مملوءة بل يسير قليلا ليدور الطعام ويهضم ومن ثم يرقد بهناء. والحديث عن ثقافة الطعام ليس حديثا عابرا لان الاطباء قالوا المعدة بيت الداء والدواء وهم يعيدون انتاج المثل القائل «درهم وقاية خير من قنطار علاج» ولو عرف المرء تطبيق هذه القاعدة لنسي المثل الشعبي «عرفت دمو اقتلو» والذي يعني انك عندما تكون قادرا على دفع دية شخص.. اقتله، وللاسف يحمل هذا المثل قيمة سلبية جدا لا تتمثل اليوم في قتل الاخر بل بقتل الذات من خلال الهجوم على مطاعم البوفيه المفتوح والتهام طعام كثير ودفع 30 او 40 درهما ثمنا لوجبة غنية ومتنوعة ولكنها قاتلة.. مستقبلا. ولكن ينسى الناس القواعد الصحيحة للطعام ولا يتذكرون شيئا من امثال اجدادهم.. بل يستبدلونها بصرخات فوقية على شاكلة «كرسون شيل ها لصحن»! e.mail:H-S-D @ maktoob. com