المسألة الديمقراطية ـ في تقديري ـ قضية جزئية في تاريخ الشعوب عامة وفي التجارب المعاصرة. فالمسألة الأم، والمسألة الأهم، هي قضية الحرية بكل أبعادها: ـ حرية الإنسان (رجلاً كان أم امرأة). ـ حرية المواطن في ممارسة حقوق المواطنية (حق الانتخاب ـ حق التعبير ـ حق التنقل ـ حق العمل..). ـ حرية الوطن وحرية الأرض (الاستقلال والسيادة وحق تقرير المصير). فالحرية هي القضية الملازمة لوجود الإنسان أينما كان منذ بدء الخليقة. الحرية هي التي ترتبط بالمشيئة وحق الاختيار، وبالتالي، الارتباط مع ميزة الإنسان بأنه صاحب إرادة ومشيئة لعمل شيء ما أو فعل عكسه. فما هو معروف الآن باسم الحريات العامة هو أساس لأي مجتمع ديمقراطي: ـ حرية المعتقد والعقيدة (دينية كانت أم دنيوية). ـ حرية القول والرأي. ـ حرية التعبير في القول والكتابة وفي وسائل التعبير العامة المشروعة. وتفقد هذه الحريات التي ترتبط باختيار فكرة ما أو عقيدة معينة، كل قيمة إذا لم ترتبط بمشيئة الاختيار لمن يحملون أو يمثلون هذه الفكرة أو العقيدة.. وبالتالي محاسبتهم (على أساس معيار الفكرة) إذا هم تقاعصوا أو أهملوا.. من هنا تكون ضرورة الديمقراطية بما تعنيه من مسائل مرتبطة بالانتخاب والتمثيل ونظام الحكم السياسي.. لكن ليس حتماً أن ترتبط الديمقراطية بالمساواة والعدل. كذلك ليس بالضرورة أن ترتبط الديمقراطية بالقيم الدينية والأخلاقية، وأيضاً ليس بالضرورة أن ترتبط الديمقراطية بحرية الوطن أو الأرض، باعتبار أنها أسلوب للحكم بين المواطنين وليست شريعة للتعامل بين الدول.. ولعل خير مثال على ذلك، الأنظمة الديمقراطية الغربية عموماً التي حرصت على النظام الديمقراطي داخل مجتمعاتها بينما أباح معظمها لنفسه استعمار واحتلال شعوب أخرى. فهي ديمقراطيات: ـ عنصرية (لأنها تستبيح الشعوب الأخرى لصالح شعبها) ـ غير عادلة في مجتمعاتها أحياناً: تاريخ العلاقة مثلاً بين السود والبيض في أميركا رغم أن الدستور الديمقراطي الأميركي عمره أكثر من مائتي سنة. - حقوق المرأة (حصلت المرأة في أميركا على حقها بالانتخاب بعد أكثر من 125 سنة من وضع الدستور، وفي سويسرا نالت المرأة هذا الحق في الستينيات). ـ غير مرتبطة بالعدل الاجتماعي بين الناس (القوي الغني يأكل الضعيف الفقير)، وهذا سياق طبيعي للترابط الحاصل في الغرب بين الديمقراطية في نظام الحكم السياسي وبين مقومات الاقتصاد الرأسمالي القائم على تشجيع الفردية والمنافسة الحرة. ـ غير مرتبطة بالضرورة مع القيم الأخلاقية والدينية. ـ غير متجانسة عملياً مع طرحها النظري العلماني (كدعم إسرائيل التي تقوم الديمقراطية فيها على أساس ديني يهودي بينما المجتمعات الغربية تتصف بالعلمانية) أما في البدان العربية فهناك تحديات امام الديمقراطية، حيث تحتاج الديمقراطية إلى استقرار أمني داخلي في المجتمع ومن حوله. فأسلوب العنف (من أي جهة صدر) يعطل الممارسة الديمقراطية. وبتقديري، فإن البلدان العربية تعيش في آن واحد: ـ تحديات على الأرض والوطن (بشكليه القطري والقومي). ـ تحديات على الكيانات السياسية نفسها. ـ تحديات ثقافية واقتصادية في ظل العولمة والتطبيع مع إسرائيل ومشروع «الشرق الأوسطي» الجديد. ـ تحديات على المعارضات والحكومات معاً، حيث لا يجوز استخدام أسلوب العنف وتفتيت الكيان من أجل حماية هذا النظام الحاكم أو فوز ذاك الحزب المعارض. وحسب اعتقادي، فان التعامل مع المسألة الديمقراطية في المنطقة العربية لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحديات الوجود الإسرائيلي وأطماعه السياسية والاقتصادية، وتحديات الإرادة الأجنبية في فرض التجزئة والتخلف على الأمة العربية منذ عشرات السنين.