ما تريده الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل هو الحصول على شخصية فلسطينية مقبولة تتبنى الافكار الاميركية والاسرائيلية حول مستقبل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. فإلى حد الآن تعتقد الولايات المتحدة واسرائيل أن ياسر عرفات والمقربين منه هم سبب فشل كل خططهم التي حاولوا تمريرها في المفاوضات السابقة، فكانت المفاوضات تراوح مكانها وتفشل لأن ياسر عرفات والمقربين منه كانوا يرفضون التنازل عن مطالبهم المشروعة وهي الانسحاب الى حدود 67 مقابل التطبيع الكامل. فإسرائيل تشعر ان القرارين الامميين 242 و338 يقيدانها، وان التزمت بهما ونفذتهما فمعناه انها سوف تتحول الى دولة صغيرة بحدود معترف بها دوليا ولن يكون في استطاعتها التوسع اكثر في المستقبل. كما ان هذه الدولة لن يمكن لها ان تستوعب اعدادا من اليهود المهاجرين الذين تحلم القيادات الاسرائيلية باستقدامهم في المستقبل، من اجل تكوين دولة بتعداد سكاني كبير يتناسب وقوتها العسكرية والمالية ولا يبقيها دولة صغيرة وسط دول عربية كبيرة في جغرافيتها وعدد سكانها. يجب ان نعرف ان اسرائيل تماطل لكسب الوقت اكثر وللتوسع اكثر، وهي تعرف ان اي اتفاق توقع عليه اليوم او في المستقبل انما يكبلها ولذلك تسارع الى اجهاض اي مبادرة لإحلال السلام في المنطقة للابقاء على الامر الواقع على ما هو عليه، وقد نجحت في ذلك منذ قيامها عام 1948 والى اليوم، فكم من مبادرة دولية وعربية وأوروبية وأميركية طرحت في المنطقة وفشلت جميعها وكان وراء فشلها اسرائيل؟ مثلا ها هي المبادرة العربية التي طرحت في القمة العربية الاخيرة، ومبادرة جورج بوش مع كل ما فيها من مساوئ تفشل هي الاخرى لانها تعترف ببعض حقوق الفلسطينيين، وستفشل جميع المبادرات التي سوف تطرح في المستقبل. وقبل ايام اقدمت اسرائيل على مجزرة في غزة بإشراف مباشر من ارييل شارون في وقت كانت تعلم فيه ان التنظيمات الفلسطينية تناقش مبادرة لوقف النار، ومع ذلك اقدمت على تنفيذ المجزرة لهدف واحد هو انها لا تريد ايقاف النار وترغب في ان تتواصل حالة الفوضى العارمة في المنطقة لأن العالم يكون في هذه الحالة منشغلا بحادث المجازر بينما تكون اسرائيل منشغلة في بناء المستوطنات والتوسع اكثر، فلو احصينا عدد المستوطنات التي بنتها اسرائيل مؤخرا سوف نجد انها تتجاوز بكثير ما بنته في عهد الحكومات السابقة، لسبب بسيط ان ارييل شارون استغل انشغال العرب بالوضع الراهن وراح يبني مستوطنات جديدة ستعقد الوضع اكثر في حال ما اذا عقدت مفاوضات في المستقبل. يجب ان نفهم حقيقة ان لإسرائيل هدفا ثابتا تعمل من اجل تحقيقه كل الحكومات الاسرائيلية وهو بناء اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل، وليس معنى ذلك انها ستستولي على اراضي كل العرب بل معنى ذلك انها تريد ان تقيم دولة محورية في الشرق الاوسط بحدود ثابتة ومعترف بها وتدير هذه الدولة شئون المنطقة السياسية والعسكرية والاقتصادية من الفرات الى النيل!! وتحلم بتحقيق ذلك اذا وقعت كل الدول العربية معها اتفاقات ثنائية تبقيها خاضعة لها. والملاحظ ان اي رئيس حكومة اسرائيلي عندما يتسلم منصبه يعمل من اجل هذا الهدف ويبدأ في المماطلة وربح الوقت وفي بناء مستوطنات جديدة، والرئيس الذي يتوسع اكثر ويبني اكثر ويوقع دولة عربية في شباكه بتوقيعها على اتفاق معه يكون دخل التاريخ من بابه الواسع، ولذلك نلاحظ ان اسماء رؤساء وزراء اسرائيل السابقين كبن جورين وغولدا مائير تعتبر اسماء مقدسة لدى الاسرائيليين، وهذا ما يعمل من اجله ارييل شارون الذي يريد هو الاخر ان يخلد اسمه في الذاكرة الاسرائيلية، وقد نجح في ذلك، بدليل ان شعبيته في ارتفاع مستمر، لأنه ببساطة نجح في نسف كل الاتفاقات السابقة وبنى مستوطنات جديدة واحتل اراضي فلسطينية اخرى واضعف بنية السلطة الفلسطينية، هذا ما يهم شارون في الوقت الحالي، اي ان يعمل من اجل هدف اسرائيل في تقوية وجودها وكيانها في المنطقة، وسوف يتحول لدى الشارع الاسرائيلي الى بطل يضاف اسمه الى من سبقوه من رؤساء الحكومات. فإذا كانت اسرائيل تعمل من اجل اهداف محددة وتنجح في كل مهامها وسياساتها بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، فلماذا لا يكون لنا نحن العرب هدف محدد نعمل من أجله؟ الحقيقة ان هدفنا موجود وهو اعادة الاراضي العربية المحتلة عام 67، ولكننا فشلنا في الوصول اليه لسبب بسيط هو اننا نفتقد الى القدرة على المبادرة وعلى الوسائل التي تمكننا من تحقيق هدفنا وهذا ما نجحت فيه اسرائيل، انها تمتلك وسائل التأثير لتحقيق الاهداف اعلاميا وعسكريا وسياسيا.. فصحيح اننا ضعفاء عسكريا ونفتقد الى السند الدولي الذي يساعدنا على استرداد حقوقنا، ولكن مع ذلك فإننا لا نزال نمتلك وسائل التأثير التي توجع العدو وتردعه وتجعله يفكر في الخروج من المأزق الذي أوقع نفسه فيه. ـ كاتب جزائري