هناك تناقض كبير بين الرؤيتين الاميركية والعربية في هذه المرحلة، وقد ازداد هذا التناقض قوة بسبب احداث الحادي عشر من سبتمبر وبسبب ردة الفعل الاميركية وردة الفعل العربية على تلك الاحداث. في كل هذا يزداد التناقض بسبب عناصر دفع عديدة، فهو تناقض تشجعه الحالة الاسرائيلية المنفلتة في الاراضي المحتلة، وهناك تناقض تشجعه حالة الرد الاميركية الجديدة التي تنطلق من مبدأ الضربات المباغتة والتحركات المفاجأة وهناك التناقض القائم حول العراق. والاخر القائم بسبب تحول الهجمة على الارهاب الى هجمة على الوضع الاسلامي الاوسع بكل ابعاده وانظمته وتناقضاته. انه التناقض بين منطق الدولة الكبرى الاوسع والاكبر والوحيدة في العالم وبين منطق دول عربية مختلفة الاحجام تنتمي للعالم النامي وتركز على استقلاليتها في التعامل مع شعوبها ومع دول العالم وقلما تتمتع بشرعية داخلية ديمقراطية. التناقض بين منطق الدول العربية التي تحمل قضايا عديدة تواجه من خلالها عالما كبيرا، وبين منطق الدولة الاكبر التي تنظر للعالم بنظرة كونية وعليائية تمثل دورها ومصالحها، هو منطق متصادم اليوم في الرؤية والتوجه، وهم تصادم يهدد استقرار العالم العربي ويفتح ابوابه للكثير من التغيرات السياسية. ان الشعور العربي العام يميل الى الانزعاج من حجم التصادم والتخوف من نتائجه واثاره. وبينما هناك عرب يميلون الى التفاؤل انطلاقا من انه لدى العرب حقوق يجب ان يأخذوها، وان منطق الاستقلال هو منطق ناجح سوف يؤدي في النهاية الى الانتصار لانه ينسجم ومنطق التاريخ، وان اوروبا والكثير من دول العالم الثالث تؤيد الكثير من عناصر الموقف العربي وتنتقد الاميركي، الا ان الكثير من العرب من جهة اخرى لا يتفائلون من حجم هذه المواجهة العربية الاميركية، ان عناصر غياب التفاؤل الناتجة عن هذه المواجهة ترتبط بالشعور العام بأنها سوف تؤرخ وتمهد لتراجعات عربية جديدة، وانه سوف تفرض على العرب تنازلات وخرائط جديدة، وان منطق الحقوق لا ينتصر دائما وانما الاستقلال كان منطقا قويا في سنوات الحرب الباردة، اما اليوم فمن الصعب ادامته في ظل العولمة وسيطرة دولة كبري واحدة. اغلبية العرب يرون في المواجهة اليوم بداية تغير كبير سوف يصيب العالم العربي. وان هذا التغير قد يأخذنا في اتجاهات مختلفة وربما متناقضة. منطقان مختلفان الحالة العربية تنطلق من حقوقها المحلية والاقليمية والحالة الاميركية تنطلق من حقوقها الدولية والعالمية، والدور الذي ورثته الولايات المتحدة من جراء انتصارها في الحرب الباردة ومن جراء عدم بروز قوة اخرى منافسة لها لا في اوروبا ولا في روسيا والصين او اليابان. ونجد ان الحالة العربية تستنهض قيم من فقد القوة والمقدرة والتكنولوجيا والتفوق العلمي والتقني ومن فقد قوة الاقتصاد وقوة التأثير. لهذا فالخطاب العربي يقوم على مباديء الحقوق والمناجاة وعلى منطق العدل والتهديد بالمستقبل والغضب المفتوح. الحالة الاميركية تنطلق من مدرسة اخرى جذورها في الغرب القديم وتنطلق من منطق القوة والنفوذ في مجال التكنولوجيا والمال والجيوش والقدرات والتخطيط والحروب وفرض الشروط والموازين الجديدة. انها تنطلق من ذات النقطة التي انطلقت منها اوروبا في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين عندما سيطرت على العالم من اقصاه الى اقصاه وهزمت امبراطوريات ودولاً. انه منطق الحجم والوزن في مواجهة منطق الضعف والتفكك والمناجاة. بمعنى اخر: ما قيمة الحقوق اذا لم تستند لقوة التأثير، ولقوة العلم، ولقوة الثقافة وقوة الانتشار، وقوة التكنولوجيا والمسئولية؟ في هذا نجد الفارق الكبير بين ضعف اوروبا وضعف العرب، فضعف اوروبا نسبة للولايات المتحدة يسمح لها بدرجة اكبر من المعارضة ويسمح لها بحماية الكثير من مصالحها بما فيها تلك القائمة في العراق، اما الضعف العربي (والذي نقرأه في تقرير الامم المتحدة الاخير في كافة المجالات حتى السينمائية والادبية والتعليمية) فهو لا يسمح للعرب حتى بالحفاظ على ادنى مصالحهم في بلادهم. وفي هذا نحتاج الى اعادة نظر بالكثير من اوضاعنا الداخلية والاقليمية. وفي البحث عن مواقع القوة والضعف في العلاقة الاميركية ـ العربية نجد ايضا ان الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة هو الاخر محسوب. ونلاحظ هذا جيدا في حساب الموقف الاميركي من القضية الفلسطينية. فالثمن الذي دفعته الولايات المتحدة من جراء موقفها المؤيد لاسرائيل ضعيف ومحدود مقارنة بحجم ما وقع ويقع. فالمقاطعة العربية خسارتها مزدوجة، وخسارتها على العرب ممن يعملون في هذه المؤسسات الاميركية المملوكة عربيا في العالم العربي اكبر من خسائر الولايات المتحدة التي تنتشر في العالم الاوسع. بل ان الولايات المتحدة ان حسبت خاسرها من تأييد اسرائيل ومكاسبها حتى الان، لوجدت ان المكاسب اكبر على صعيد الانتخابات الداخلية، وعلى صعيد العلاقة مع الكونغرس وعلى صعيد حتى العلاقة مع الدول العربية والعالم العربي الذي يتحرك ليطالب بالوساطة بعد ذلك ويقبل الدور الاميركي لانه الدور العالمي الوحيد ولانه يمثل الدولة الكبرى الوحيدة في العالم. وبالرغم من ان الحدث الفلسطيني يهدد استقرار الكثير من الدول العربية، الا ان السؤال: هل فقدت الولايات المتحدة حتى الاهتمام باستقرار الدول العربية الصديقة لها في كل من مصر والمملكة العربية السعودية؟ وهل يشكل هذا توجها جديدا يحاسب ويمتحن الدول على عدم مقدرتها على مواجهة الارهاب الذي عصف بالولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر؟ الحالة العربية وفي العراق وحوله يتواجه ذات المنطق العربي بالاخر الاميركي. انه منطق التصادم حول مفهومين مختلفين في الشأن العراقي. في العراق لا يجد العرب خطرا كبيرا عليهم، لان العراق مستنزف في كافة مؤشراته، ولا يرى العرب في العراق واسلحته للدمار الشامل خطراً ايضا لان اسرائيل هي الاخرى تمتلك اضعاف هذه الاسلحة ولان خطر هذه الاسلحة على العرب محدود وضعيف كما يقول معظم العرب. العرب لا يرون في العراق خطراً كبيراً بعد ان هزم وضرب وعوقب على مدى اكثر من عشر سنوات. بل ينطلق العرب من مخاطر ضرب العراق خوفا من التفكيك، وخوفا من الدولة الكردية، وخوفا من جنوب العراق والدولة الشيعية، وخوفا من ان يكون تغيير نظام عربي مقدمة لتغيير انظمة اخرى كما قال اكثر من مسئول عربي في اكثر من جلسة خاصة وعامه. الخوف العربي من المسألة العراقية هو ايضا خوف من الولايات المتحدة التي لا تتمتع بمواصفات الدولة الاستعمارية، والتي يعرف عنها انها سوف تضرب ثم تنسحب وتترك للدول المحيطة لم الفتات والتعامل مع المشكلات الكثيرة الناتجة عن الحرب. اما المنطق الاميركي من العراق فهو معقد ومختلف. فهو ينطلق من منطق الدولة الكبرى التي ترى في استمرار التحريض عليها عراقيا خطراً على مستقبل نفوذها، والتي ترى ان موقعها كشرطي عالمي يتطلب توجيه ضربات وتغيير ومعاقبة من يخرجون عن القانون، وترى ايضا في اسلحة الدمار الشامل واستمرار المواجهة مع العراق امرا يجب ان تتصدى له خوفا من انطلاق عراقي جديد نحو دولة مجاورة تؤثر بشكل مباشر في مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية وموقعها العالمي. كما ان العراق يدخل في تصور الولايات المتحدة للترتيبات الجديدة: فهزيمة الراديكالية العربية (كما يقول ذات المنطق) ممثلة بمنطق صدام ومحاولة ترتيب نظام عراقي جديد يكون نموذجا جديدا لنظام رئاسي او ملكي دستوري يتحول الى اداة تأثير ديمقراطي في المنطقة العربية، اصبح جزءا من التفكير السياسي لجزء مهم من النخبة الاميركية الحاكمة. المنطق الاميركي يرى ان الحرب على الارهاب لن تحقق نتائجها في ظل بقاء صدام، لان بقاءه انعكاس للفشل الاميركي الاوسع في التعامل مع احد اشد اعدائها تحديا لها منذ عام 1990 حتى الان. المنطق الاميركي مرة ثانية: هو منطق الدولة الكبرى التي تحمل تصورات لاعادة رسم الخارطة السياسية، وتمتلك القوة لتنفيذ ذلك. اما هل تمتلك الولايات المتحدة الارادة لتنفيذ ما تريد؟ هذا مجال صراع اميركي ـ اميركي لم يحسم نهائيا حتى اللحظة، وان كانت المؤشرات تقول انه يكاد ان يحسم لصالح العمل العسكري في العراق. صراع المنطق العربي مع المنطق الاميركي مستمر. انه موضوع كبير لحرب كبيرة مكونة من عدة جبهات ولمرحلة جديدة مازالت في طور النمو. وقد لا ينتصر الاتجاه الاميركي انتصارا نهائيا، وقد لا يهزم العرب هزيمة شاملة. ولكن مهما كانت النتيجة يبدو انه من الموقع العربي علينا الكثير من اعادة النظر في اوضاعنا وسياساتنا ومراكز قوتنا لانها ضعيفة وهشة كما تؤكد المقدمات حتى الان. هذا يعني ضرورة اعادة النظر بما يساعد على تحقيق نهضة تصب بمستقبلنا. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت