هناك حكمة ثمينة يرددها اساتذة الادارة الذين يمتلكون حسا عاليا بالابعاد الانسانية التي تحرك في اعماق النفس البشرية الطاقة الخلاقة القادرة على تحرير الانسان من الالتفات الى الاهواء والافكار الرخيصة وتجعله يمضي قدما نحو الامام لا يرى امامه الا ذلك الضوء المبهر الذي اسمه (الهدف). تقول تلك الحكمة الغالية: «ان الشعور بالمعنى والهدف من الحياة هو الذي يصنع المضمون لأبعاد تلك الحياة». وهذا يعني باختصار انه بدون هدف جيد يتبناه الانسان ويعتقده في نفسه فإنه لن يستطيع ان يكوّن لنفسه حياة خصبة فيها من النجاحات ما تقر به عينه، ويملأه بالسعادة والسكينة. ميزة الاهداف الكبيرة انها تشد الى الاعلى، في حين ان الاهداف الصغيرة والمتواضعة لا تمتلك ذات القوة، ولا تحظى بتلك الطاقة المتدفقة الخلاقة القادرة على انجاح الغاية التي يريدها الانسان. كما ان ميزة الاهداف الكبيرة ايضا انها ترفع صاحبها عن الالتفاف الى سفاسف الامور، فالوقت لصاحب الهدف الكبير له ثمنه، وله سعره الخاص الذي يتفوق على اي سعر آخر يتصدر قائمة الافكار الساذجة التي قد تشتت انتباه سواه، وتقطع بهم الطريق وتحرمهم من الوصول الى خط النهاية. ومن اجل هذا التناغم والتمازج بين وجدان صاحب الهدف الجيد وبين مسلكه العام، ومن اجل هذا الحرص على الالتحام مع مقتضيات الهدف الكبير من حيث استثمار الفرص الجيدة، وتفعيل موارده الخاصة، وامكاناته الذاتية، فمن الطبيعي ان تحظى علاقات مثل هذا الانسان بنجاح لافت حين يرى الآخرون ذلك الاتساق والتوافق بين المسلك والهدف، وهذا الحرص الشديد على التسامي فوق الصغائر، والاحتراز من الاخطاء التي قد تضعف همته وتمنعه من ادراك بغيته ومطلبه. ومن اجل ذلك ايضا فإن دفء العلاقات الانسانية يملأ الأجواء المحيطة بذلك الشخص بالاحترام والثقة، ويعطر البيئة الوظيفية والبيئة الاسرية بالأفكار الايجابية التي يبعثها صاحب الهدف الجيد. ولسائل ان يقول: ما وجه الارتباط بين الهدف والانسان المنتمي اليه، وبين عامة الناس الذين تربطهم به علاقة مباشرة او غير مباشرة؟ والجواب هو ان الانسان الممتليء بالايمان بما لديه من هدف وفكرة يريد ان ينجزها على ارض الواقع فلا شك انه يحادث زملاءه بها، بل ويشركهم معه في تلك الرحلة الغنية التي يحث سيره اليها.. فهو ان كان يريد ان يتفوق في دراساته العليا فلا شك ان طريقة ادارته لوقته، وتعامله مع مسئولياته وطريقة تصريفه للأمور التي بين يديه سوف تثير ملاحظة من حوله من الناس، والأهم من ذلك ان حماسه هذا سينتقل اليهم فليس شيء مثل الحماس يعدي، وليس معنى هذا ان يتحول الجميع الى الهدف نفسه ولكن ان يتفاعل الجميع مع ذلك الحماس وتنالهم العزيمة نفسها في تفعيل ادوارهم التي يرتبطون بها في حياتهم الخاصة، فالمرء الذي لديه حس عال بتنمية الموارد التي لديه من ذكاء فطري، وشهادة علمية جيدة، ومواظبة على العمل، ورغبة في التطوير الذاتي واكتشاف الجديد، والاستزادة من الخبرة في احدى المهارات التي يحتاج الى تعلمها، لا شك انه مختلف كل الاختلاف مع الآخر القانع بدوره في الحياة، الراضي بما لديه من خصائص ومكتسبات، الذي يسعده كثيرا ان يبقى كما هو دون ان يضيف الى رصيده شيئاً من العلم والمعرفة، الذي كل سعادته في الحياة ان تستمر الوتيرة الهادئة ذات الايقاع الخافت الذي يحيط كيانه بالسكون، ويغريه بالبحث عن وسائل التسلية والراحة دون التفكير لحظة واحدة ان هناك حاجة فعلية الى ان يرتقي، وان ينمو وان يتطور وان يكون شخصا منتجا فاعلا قادرا على مصافحة النجاح ليس في باب واحد انما من ابواب وزوايا مختلفة!! وبينما تسري كهرباء الحماس والطاقة في الاجواء التي يتواجد فيها شخص جاد، لديه رسالة وهدف كبير، فإن الطاقة التي تحيط بأولئك القانعين من الحياة بأدوارهم البسيطة والهامشية تبدأ في التلاشي والتضاؤل مما يملأ الأجواء حولهم بالتثاؤب والرغبة في النوم العميق!!