فرحت أنا و«الجميلة» ـ لغتنا الحبيبة ـ بهذا الموقع الجديد «خواطر»، وكأننا انتقلنا من بيت وسط زحام المدينة، الى بيت حديث في واجهة المدينة مطل على ميدانها. لكني لاحظت ظل غمامة تتراءى في عيني «الجميلة»، قلقا من ان يضيق بها عنوان البيت الجديد، لكني سرعان ما طمأنتها بأنه عنوان يفسح آفاقاً ارحب، وانني مهما غربت او شرقت، فإنها ستظل المثابة والواحة التي ألوذ بها، وأعود إليها، وأنها ستظل دوماً ملء «الخاطر»، وأهم محاور «الخواطر». وتأكيداً لذلك، رأيت ان تكون لنا وقفة تأمل بين يدي كلمة «الخواطر» نفسها. «خواطر» هي جمع مفردهة «خاطر»، و«خاطرة»، ومعناها ما يرد على القلب او البال من امر او فكرة او معنى أو تدبير. ويقال: «توارد الخواطر» بمعنى تلاقي الافكار والوجدانات لدى شخصين برغم ما بينهما من مسافة، وذلك بوسائل لا تمت الى الحواس بصلة، ومن ذلك «توارد الشعراء»، اي اتفاقهم في معنى واحد، يرد بلفظ واحد، من غير اخذ او سماع. ويستعمل لفظ «الخاطر» ـ مجازياً ـ بمعنى القلب او النفس، فيقال مثلاً: «وقع في خاطري» اي في نفسي، و«جاش الشعر في خاطري»، وفلان «سريع الخاطر» اي حاضر البديهة. ويقال: «عفو الخاطر» بمعنى تلقائي ودون اعداد، وفي اللغة المعاصرة تشيع تعابير مثل: «عن طيب خاطر» اي بارتياح ورضا نفس، و«كسر خاطره» اي خيب امله، وضده «جبر خاطره» اي ارضاه، ومنه «جبر الخواطر». ويقال ايضاً: «من اجل خاطري» اي ارضاء لي واكراما، و«من كل خاطري» اي من عميق قلبي. وقد وردت «خاطر» و«خواطر» بهذا المعنى في كثير من أبيات الشعر، ومن مشهور ذلك قول احمد رامي في انشودته التي شدت بها ام كلثوم: مصر التي في «خاطري» وفي فمي أحبها من كل روحي ودمي ومثل ذلك قول احمد فتحي في رائعته «الكرنك» التي شدا بها محمد عبدالوهاب: حلم لاح لعين الساهر وتهادى في خيال عابر وهنا بين سكون «الخاطر» يصل الماضي بيمن الحاضر وأبدع من كل ذلك قول ابن الفارض في ميميته في حب الذات الإلهية: وان «خطرت» يوماً على «خاطر» امرئ أقامت به الأفراح وارتحل الهم ويبدو ان كلمة «الخاطر» وكلمة «الخواطر» وكلمة «الخاطرات» لها ايقاع شجي في النفس، ولها ايحاءات وجدانية مغرية، فنجد بعض الكتاب يستعملونها في عناوين بعض كتبهم، ومن ذلك كتاب «فيض الخاطر» للاستاذ احمد امين (عشرة اجزاء)، وكتاب «خواطر مصرحة» للشاعر السعودي محمد حسن عواد، وكتاب «خاطرات مؤتلفات في اللغة والثقافة» للدكتور كمال بشر. وغير «الخاطر» و«الخاطرة» يقال كذلك بالمعنى نفسه: «خطرة» (بفتح الخاء وتسكين الطاء) وجمعها «خطرات» (بفتح الطاء)، ومن ذلك قولهم: «ما ألقاه الا خطرة بعد خطرة» اي: إلا حينا بعد حين. وكل ذلك من الفعل خطر (بفتح الطاء) يخطر (بكسر الطاء) خطرا (بتسكين الطاء) وخطورا. وهو فعل يتعدى بحروف «الباء» و«في» و«على»، فيقال: خطر بباله، وفي باله، وعلى باله، ومعناه: وقع ولاح، وذكره بعد نسيان. ويقال: «خطر الشيطان بين الانسان وقلبه»، بمعنى أوصل وساوسه الى قلبه، وفي الحديث الشريف في سجود السهو: «حتى يخطر الشيطان بين المرء وقلبه». وهناك الفعل خطر يخطر (بفتح الطاء في الماضي وكسرها في المضارع) في مشيته: اي اهتز او تمايل وتبختر. ومن بديع ما ورد فيه من الشعر قول ابي فراس في رقة حبيبه: «خطرات» النسيم تجرح خديه ولمس الحرير يدمي بنانه وقول شوقي في «نهج البردة» يصف الاسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم الى المسجد الاقصى حيث الرسل والملائكة على قدم: لما «خطرت» به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر او كالجند بالعلم