جلس صديقي في الظل نحو عشرة أعوام أرهقته ويبست عضلاته وخلفت مرارة في وجدانه وفجأة تذكره معالي الوزير، فوضعه في منصب رفيع في الوزارة ولما حدث هذا قلنا ان معالي الوزير يلعب لعبة الكراسي الموسيقية بين معاونيه يضع «فلانا» في هذا المكان ثم ينقله الى مكان آخر، أو يضعه على الرف، أو يخسف به الأرض كما يشاء وأن للعبة أصولها، كما أن لها مبرراتها التي لا يعرفها أحد، فهي حسابات معقدة وصديقي يعرف هذا كله، بل ربما كان يعرفه أكثر منا، وقال ان الوزير ضاق بضعف الأداء من ناحية، وبالفساد من ناحية أخرى، فقرر أن يبحث في جعبته عن أصلب سهم، فلم يجد غيره يعينه لهذا المنصب الرفيع. ولم يكن لدينا اعتراض فلقد كنا نعرف أن صديقنا من أطهر الناس يدا وكان لا يسمح لأحد في أي مكان أن يدفع الحساب، سواء كنا في مقهى أو مطعم أو ما شابه على اعتبار أننا اذا دفعنا الحساب، فالعار سيلحق به وبالطبع لم يكن لدى أحد منا مصلحة عند صديقنا. وحتى قضية الكفاءة اقتنعنا بها، فلقد بذل صديقنا جهدا خارقا في الادارة، وكان الجهد كبيرا، فسقط عدة مرات، لكنه كان يرفض الاستسلام للتهاون أو للمرض، وكان يدير الأعمال من غرفة المستشفى. وأحد موظفيه لجأ الينا لنتوسط عنده حتى يرفع غضبه عنه، فلقد حدثه يطلب منه تنفيذ شيء ما ولم يميز الموظف الصوت لسوء الاتصال التليفوني، وظن أن صديقنا ليس هو صديقنا وأن المتحدث شخص يسخر منه، فهو قد أدخل صديقنا العناية المركزة منذ ساعة وشتم المتحدث السخيف. ولم يكن الموظف يعرف أن صديقنا الذي قضى عشرة أعوام تحت ظلال الاهمال في الوظيفة، قرر أن يعوض الوقت ويعمل حتى ويد الموت تمسح على جبهته. ويختلف الناس فيما أنجزه صديقنا في خمسة أعوام، ولكن لا يختلف أحد على أنه ترك بصمة واضحة على المكان الذي أداره، فلقد كان نشطا غاية النشاط، وحريصا جدا على المال العام، فأنجز الكثير بأقل الميزانيات. ثم أتت الساعة المحتومة، وبدأ العد التنازلي لسن التقاعد وسرت شائعة قوية أن معالي الوزير لا يستطيع الاستغناء عن صاحبنا، وبالتالي سيصدر قرارا بمد خدمته لعام آخر وربما لعام آخر بعد زمن. وسخر صديقنا من الفكرة في البداية، وقال انه أدى مهمته على أكمل وجه، وأن على أحد معاونيه أن يكمل المسيرة، وكان من المدهش أنه طول فترة نشاطه كان يقرب معاونيه ويكلفهم بمهام، عكس القاعدة التي تقول إبحث عمن يخلفك واقض عليه، حتى لا يجدوا لك بديلا، كان صاحبنا من أندر القيادات في هذا واستطاع أن يبني علاقة حميمة مع معاونيه، وكان يصحبهم في كل مكان. وفجأة أخذ صديقي يهاجم معاونه الأول بشراسة، ويشهدني على ما قام به من أعمال سيئة، قلت له إنني لا أرى هذه الأعمال السيئة، فأنت تقول انه جلس مع فلان وقال كذا، وأظن أنه لا يقول مثل هذا الكلام، وقد تكون فرية حاسد أو منافس. وبعدها يتهم معاونه الثاني بأنه على علاقة بمنافسيه في الوزارة، وأنه اكتشف أن معاونه هذا دسيسة زرعها في ادارته أعداؤه. وبعد ذلك أعلنها صراحة، أنه أحق الناس بأن يستمر في وظيفته لعام على الأقل، حتى يتم مشروعه الأكبر الذي استمر خمس سنوات، ويحتاج دفعة أخرى وأخذ صديقي يسمع الذين يهمسون في أذنه بأن الوزير تقدم لمجلس الوزراء بقرار مد خدمته بعضهم رأى المسودة في مكتب الوزير، وبعضهم رآها في مجلس الوزراء، وأحدهم حدثته عنها الفتاة التي كتبتها على الآلة الكاتبة، وبالصدفة هي جارتهم في السكن! وانتظر الجميع اللحظة المناسبة التي يطلبه فيها الوزير ليقول له انه لا يستطيع الاستغناء عن خدماته، وها هي وثيقة التجديد لمدة سنة أو ربما ليقول: آسف لم أستطع أن أستصدر القرار من مجلس الوزراء، لكننا لا نستطيع أن ننسى خدماتك الجليلة. لكن لم يحدث هذا ولا ذاك، وانتظر صديقنا حتى جاء آخر يوم في عمله، وأخذ حاجياته الخاصة، ورحل. وأخذنا نتحدث اليه كل صباح ومساء وأخذنا نزوره وبعضنا لم يكن يفعل بالطبع هناك من قال ان ما بينهم وبينه هي صداقة عمل وانتهت، لكن لم يكن الجميع هكذا. وكان صديقنا يبدو مستمتعا بحياته الجديدة يمارس الحرية والابتهاج كان يسافر الى الشواطيء ويعود بعد يوم أو يومين، ويخرج كل يوم الى أجمل الأماكن العامة. وبدأت أحس بالراحة، لقد وافق أخيرا، وقبل فكرة أن علاقته بالعمل قد انتهت وكنت قد رأيت حالات كثيرة رفض فيها أصحابها الاقتناع بالتقاعد، وظلوا يحلمون بالوظيفة حتى أطلقنا عليهم نادي الحالمين، من هؤلاء صديق انتهت علاقته بالعمل، وودعه زملاؤه بحفلة كبيرة وفي اليوم التالي وجدوه في المكتب منذ الثامنة صباحا، قال لخلفه: إياك أن تظن بي السوء، على العكس لقد أتيت لكي أقف الى جوارك، أنا الذي يعرف قلة خبرتك وترددك أمام القرارات المصيرية، سأعاونك دون أن يعرف أحد، حتى تقف على قدميك، عندئذ أكون قد أديت رسالتي، وانسحب هانئا! وطلب منا الخلف أن نتدخل، ولكن تدخلنا لم ينفع، وإذ بالخلف يمنع سلفه من الدخول! وظل الخصام بينهما سنوات، حتى أدرك السلف أنه يخسر بهذا أكثر من خلفه، فصالحه، وأخذ يتردد عليه بين الحين والحين. المهم أننا بدأنا جميعا نتنفس الصعداء، وقد توافق صديقنا مع وضعه الجديد. وذات ليلة كنا جالسين في مكان جميل أغلب الجالسين فيه عاشق وعاشقة، قلت له: يا صديقنا.. نحن جميعا سعداء لأنك توافقت مع فكرة التقاعد. صاح حتى ازعج العشاق: إذن أنت لا تفهم ما يحدث، إن معالي الوزير عين خلفي هذا ليحرقه! هذا رجل فاشل سيعمل حتى نهاية السنة المالية، وبعد ذلك يقول له الوزير: اذهب الى غير رجعة، وبالطبع سيسأل نفسه: من أدار هذا الجهاز على أفضل شكل والاجابة واضحة سيرسل اليّ يطلب مني العودة! ونظرت له مذعورا وهمست له دون أن يسمعني: أهلا بك في النادي!