صادق الكونغرس الأميركي خلال الأسبوع الماضي على مشروع إنشاء وزارة فدرالية جديدة للأمن الداخلي ستضم حوالي 22 جهازا حكوميا، مثل إدارة حرس السواحل، ودائرة الهجرة، ووكالة أمن المواصلات وغيرها. وقد أعلن الرئيس الأميركي أن خلق هذه الوزارة تستدعيه ضرورة (زيادة التركيز والفعالية) في مكافحة الإرهاب. ووظائف هذه الوزارة متعددة، للسيطرة على الحدود، وللعمل مع الولايات والجهات المحلية في حالات الطوارئ، ولبناء القاعدة العلمية لتطوير التقانات التي يمكن أن تكتشف أسلحة الدمار الشامل، والنظر في المعلومات الأمنية التي تجمعها كل الأجهزة الأمنية. وقد لازم العمل لإقامة هذه الوزارة، إجراءات متعددة من وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي تقيد حريات المواطنين، وتعظم سيطرة الأجهزة على فعاليات الناس السياسية، مثل الطلب من المكتبات العامة تقديم معلومات عن الكتب والمجلات التي يقرأها أفراد معينون. كما تروج الأجهزة الحكومية لمقترحات إنشاء قوة من المتطوعين، سيصل عددهم إلى مليون، للإخبار عن أي سلوك أو تصرف يثير الشبهات. وسيتم اختيار عدد من العاملين في المرافق العامة، المياه والكهرباء والهواتف بل ومن سائقي الشاحنات. وواضح أن هذه الإجراءات إن طبقت جميعا لن تكون إلا مرآة للخيال الجامح لأورويل، بل قد تكسف بعض صوره وأخيلته. لقد أدرك الناس سريعا أن حرب أميركا على الإرهاب كانت حربا دفينة الأدراج تبحث عن عنوان حتى قيضتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وحينما اعتزل البعض الشك وأراد أن يصدق المزاعم الأميركية عن محاربة الإرهاب سرعان ما اجبرتهم سياسة الحرب الأميركية على اعتزال اعتزالهم. فإذا الحرب ليست إلا خدمة لاستراتيجية الهيمنة. فقد انشغلت أميركا في أفغانستان في قتل المدنيين والإتيان بأمراء الحرب الذين يخضعون لإرادتها، وفي بناء القواعد العسكرية في البلدان المجاورة لبحر قزوين والصين وروسيا. فلم تكن الحرب ضد بن لادن ولا ضد القاعدة، بل كما يؤكد الأميركان أنفسهم أن قواعدهم الأساسية لم تزل سالمة، بل أنهم يبدون فرحين من أنها كذلك. لقد كان الشر الشيوعي خيراً لهم لأنهم تحت ظل شعار محاربته تمكنوا من حلفائهم ومن خصومهم، وهم يريدون تحت راية مكافحة الإرهاب مواصلة التمكن من العالم ومن أميركا نفسها. أما كيف يمكن فهم ذلك، فهذا أمر يعود إلى عقود ماضية. فقد أدركت النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة في نهاية السبعينيات أن تفوقها الاقتصادي في انحسار، وأن القوة الأوروبية واليابانية في مد. فكان لا بد من إيقاف الزحف الذي يأكل الفجوة الاقتصادية والعسكرية التي تفصلهم عن الآخرين. وقد بدا ذلك في التوجه اليميني الذي بدأت تشهده الولايات المتحدة وجاء بريغان إلى السلطة. وتركزت السياسة الاقتصادية حينذاك على تحقيق هدفين: الأول، فتح أسواق العالم أمام الرأسمال الأميركي والمصالح الأميركية، والثاني، إعادة هيكلة شروط توزيع الثروة داخل الولايات المتحدة لمصلحة الطبقة الرأسمالية. لكن أحداث سبتمبر بقدر ما خلقت فرصة للهيمنة أحدثت مشكلة في الداخل. فقد عمقت مرحلة الكساد وكشفت فساد كازينو الأسهم، فذهبت بضع تريليونات من أموال الناس عصفا مأكولا من البنوك وكبار الأغنياء. لقد كانت فقاعة كازينو الأسهم ملهاة للملايين الذين ظنوا أنهم سيغتنون كما يغتني الأثرياء، ولم يهتموا بالفروق الخيالية في الثروة والدخل التي تطغى في الولايات المتحدة. ففي عام 2000 حاز 1% من أثرياء أميركا على 383% من ثروة البلاد بينما لم يملك 40% من الناس إلا خمس الواحد بالمائة ( 02% ). وأن نسبة الفقر تعادل 113% أي أن حوالي 31 مليونا من المواطنين الأميركان يعتبرون حسب التوصيف الرسمي من الفقراء.. فأميركا التي تخضع البلدان لسيطرتها تحت شعار مكافحة الإرهاب، لن تتوانى عن إرهاب خصوم النخبة في الداخل تحت شعار حماية الأمن الوطني من الإرهابيين. هذا هو الهدف الحقيقي من برامج مكافحة الإرهاب داخل أميركا، كما أن الهيمنة هي الغاية الحقيقية من مكافحة الإرهاب خارج أميركا. وبالتالي فوزارة الأمن الأميركية ليست لمواجهة بضعة أفراد قد يعبرون الحدود، بل هي لمواجهة الملايين الغاضبة التي تعبر عن غضبها بأشكال شتى. فأميركا حبلى بالمشاكل الاجتماعية التي تعالجها باستخدام العنف المحسوب من جانب وبيع الأحلام من جانب آخر. لكن هذه المشاكل ستتضاعف حينما يصبح بيع الأحلام بضاعة كاسدة.