وفي ربع القرن الأخير تبلورت مدرسة علمية - فكرية معنية ببحوث المستقبل. هي المدرسة أو الاتجاه الفكري الذي يتولى رصد الحاضر بمعطياته ومتغيراته من أجل تكوين صورة استشرافية.. حتى لا نقول نبوءاتية أو تنبؤية بالمستقبل.. ومن موزاييك هذه التصورات.. من خلال تجميع شذرات واجزاء الصورة بما قد تحتويه من ظلال وزوايا وأبعاد وأطياف.. يرسم المستقبليون مااصطلح على وصفه بأنه السيناريو. مبشرون ومنذرون في هذا الخصوص يكاد المستقبليون. وهم علماء ومفكرون ينتمون الى منظور عريض من الاختصاصات العلمية والفكرية المتنوعة التي قد تبدأ بعلوم الاحصاء والرياضيات والارصاد الجوية والديمغرافيا (السكانيات). وقد لا تنتهي بعلوم السوسيولوجيا (الاجتماع) والنقد الأدبي والابداع الفني في اشكاله كافة - يكاد هؤلاء المستقبليون ينقسمون بشكل عام الى فئتين محوريتين وهما: (1) المبشرون (المتفائلون). (2) الانذاريون (المتشائمون). أصحاب الفئة الأولى يرون أن كوكب الأرض ينتظره مستقبل واعد أو شبه واعد بمعنى قدرة العالم - الكوكب على حل مشاكل وفرة الغذاء ومواجهة الاوبئة والتماس مخرج للازمات الاقتصادية ومضاعفة النواتج الزراعية والتصدي الجاد والناجح للادواء التي تصيب الايكولوجيا - البيئة التي يعيش فيها سكان هذا الكوكب المهيض.. وقصارى الآخذين بهذا المنحى المبشر ان يطالبوا الحكومات، ومعها مؤسسات المجتمع المدني بوضع استراتيجيات ناجحة فعالة متآزرة ومتضافرة بمعنى أن تتجاوز حدود الأقطار والأمصار - استراتيجيات كوكبية كما قد نسميها غلوبال أو عولمية كما اصبحت تعرف حسب المصطلح المحدث الشائع على الالسنة والاقلام. أما أصحاب الفئة الثانية فهؤلاء لا يفتأون يطلقون التحذيرات التي تتراوح في درجة السوداوية أو التشاؤم الناجمة عنها: انهم لا يلبثون ينذرون الحكومات والمجتمعات بأن كوكب الارض على اختلاف شعوبه واقوامه انما ينتظره مشاكل ربما تصل الى حد الكوارث وعقبات كأداء قد تحول يوما بين الفرد البشري وبين ان يجد لنفسه طعاما أو يلتمس لنفسه ملجأ أو منجاة من عوامل التلوث البيئي دع عنك ماقد تنطوي عليه ترسانات اسلحة التدمير الشامل اشعاعية كانت أو بكتريولوجية أو كيماوية، من صنوف الخطر المحدق الوبيل. الشاعر التركي والفيلسوف الألماني ولأن الناس أقرب في طبيعتهم الى ان يعللوا النفس بالخير تفاؤلا وارتقابا لعلهم يجدونه.. فقد كادت مدرسة السيناريوهات المستقبلية المتفائلة أو شبه المتفائلة تسود تيارات الفكر واجتهادات السياسة على أساس المأثور الذي تواتر عن شاعر الاتراك الكبير ناظم حكمت بأن (اجمل الايام لم نعشها بعد). وبقدر ماارتفعت اصوات المنذرين والمحذرين فقد كاد العالم يأخذ بها علما.. وقد يتخذ من اسباب الحيطة هنا أو هناك.. دون أن يضع هذه التحذيرات في بؤرة الاهتمام أو في محاور الوعي.. والا لكان على العالم ان يتحول من تفاؤل التركي ناظم حكمت الى التشاؤم المقيت الذي تجسد في عبارة الفيلسوف الالماني آرثر شوبنهاور التي قال فيها: «لو أنصف الناس لاجتمعوا ساعة لكي.. ينتحروا!» لكن مسار النهر مالبث ان تحول واتجاه الأمور استدار بزاوية 180 درجة ليميل إلى حيث رجحت الكفة لصالح مدرسة النذير والتحذير في مضمار المستقبليات. بعد قارعة سبتمبر كان ذلك على وجه التحديد بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 في كل من نيويورك والعاصمة واشنطون بالولايات المتحدة الاميركية. ولا تزال مدرسة التشاؤم المهددة بالويل والثبور تواصل تقدمها وكأنما دانت الساحة لها سواء على مستوى الفكر المستقبلي أو على مستوى رسم الاستراتيجيات ووضع الخطط وبلورة البرامج وصنع القرار في الادارة الأميركية الحالية، يستوى في ذلك مكاتب البنتاجون العسكرية، أو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض أو دوائر المدعي العام المسئول عن اقامة العدل في الولايات المتحدة. ومن عجب ان من أهل الاختصاص في أميركا من تنفس الصعداء بعد وقوع كارثة سبتمبر المذكورة! لماذا؟ لأن من علماء المستقبليات من سبق وحذر من وقوع كوارث على شاكلتها، (وقد وقعت بالفعل) وايضا من ارتقاب كوارث اشد فداحة واخطر ابعادا ومنها مثلا وقوع هجوم صاعق بأسلحة نووية أو غزو للأرض الاميركية باستخدام جراثيم تنشر مرض الجدري بين قطاعات السكان ولأن قارعة سبتمبر كانت كارثة انسانية بالدرجة الأولى أيا كانت الدوافع والاسباب ولأن ضحاياها كانوا بشرا مثل سائر البشر فقد كان بديهيا ومنتظرا ان يتعاطف معهم ومع اهاليهم وذويهم سائر البشر من بقاع شتى من العالم.. ومن بين المتعاطفين كانت جمهرة من المشتغلين بعلوم المستقبل الذين عمدوا الى ترجمة تعاطفهم الإنساني تأملات دونوها في دفاترهم العلمية أو سجلوها على شاشات الحاسوب الذي يتعاملون معه في حساباتهم ودراساتهم وهكذا، فبعد أسبوع واحد من أحداث سبتمبر تم تشكيل مجموعة منتقاة أو فريق عمل متخصص من هؤلاء المشتغلين بـ (صناعة المستقبل) وطلب اليهم ان يكتبوا أوراقا علمية أو رسائل بحثية موجزة بشأن قضايا من قبيل: - ما ينبغي عمله؟ - ماهي السيناريوهات المحتمل وقوعها؟ - ماهي النتائج المستصوبة أو المرغوب بها؟ 40 دراسة مستقبلية وقد تلقت جمعية مستقبل العالم ومقرها في ماريلاند بالولايات المتحدة نحوا من 40 دراسة أو مقالة حيث قامت الجمعية بتبويب افضلها ضمن 3 أجزاء اساسية تحت عناوين رئيسية ثلاثة هي: (1) الاستراتيجيات (2) السيناريوهات (3) القضايا والتساؤلات بعدها صدرت هذه الدراسات في عدد خاص من مجلة بحوث المستقبليات وهو احدث مااصدرته جمعية مستقبل العالم التي المحنا اليها فيما اعد الدراسات للنشر الاستاذ مايكل ماريين رئيس تحرير مجلة (استقصاء المستقبل) الذي القى الضوء بايجاز شديد على كل من الجوانب الثلاثة كما يلي: في مجال الاستراتيجيات تكاد الدراسات تجمع على أهمية الجمع في محاربة ظاهرة الارهاب بين (السيوف والمحاريث) أي بين امتشاق السلاح ودعم جهود التنمية وصولا الى تحقيق ماأصبح يوصف بعبارة (تجفيف منابع الارهاب) وفي هذا السياق ايضا يصل أحد علماء المستقبل الروس الى ان ظاهرة الارهاب تماثل في حال استشرائها وضراوتها اعلان حرب عالمية جديدة في حين ان الاستاذ زياد الدين سردار الذي تقدمه المجلة بوصفه عالما ومفكرا اسلاميا يعيش في لندن ويرأس تحرير مجلة (التخطيط وسياسات ودراسات المستقبل) - يهيب بابناء عقيدته من المسلمين ان يتصدروا الصفوف من اجل الأهداف المشتركة المتمثلة في مكافحة الارهاب. وفي مجال السيناريوهات تتراوح تصورات علماء المستقبليات مابين التفاؤل والتشاؤم: في الجانب الأول يرى الاسباني ميغيل جورتيريز ان أميركا التي ستفشل في انهاء ظاهرة الارهاب فإنها سوف تثوب - في رأيه - الى جادة الرشد حيث تطرح استراتيجية أو اجندة عمل جديدة تشمل تأمين الحد الأدنى من خدمات الصحة والتعليم والسكن في كل انحاء العالم.. ومن ثم.. يرى هذا السيناريو ان الامر سوف يستغرق فترة قصيرة من التوسع ومن التضافر مع سائر الحركات الراديكالية الاخرى، وبعدها يبدأ الارهاب يفقد ارضا ومؤيدين خاصة وقد انتشر الوعي بين شعوب العالم مترافقا مع العمل بدعم من أميركا على رفع مستويات معيشة أفرادها. وبالذات فيما يتعلق بايجاد فرص العمل والعيش الكريم المعقول. عودة الاستعمار لكن على الجانب الثاني يرى باحث اخر هو (تشيسلو مسجاز) ان المستقبل محفوف باخطار شتى تتجسد في نشوب صراعات قبلية وعشائرية في افغانستان وفي اضطرابات تشتعل في الشرق الأوسط وفي أعمال عنف يصفها من جانبه بانها (ارهابية وغير متوقعة) تؤدي الى تغيير اوضاع المنطقة مابين باكستان الى الشرق الأوسط وبعدها يتوقع اندلاع حروب استعمارية - كولونيالية حسب تعبيره على نحو ماشهده القرنان التاسع عشر والعشرون وباختصار يحمل هذا السيناريو عنوانا اختار له محرر العدد الخاص الذي بين أيدينا وهو: الاستعمار يولد من جديد! حظر استشراء العولمة اما في مجال القضايا والتساؤلات المطروحة وهي الفئة الثانية من المواضيع التي تحيل اليها في هذه السطور - فيصادفنا وياللغرابة - تحذير يربط بين استشراء الارهاب وبين تسارع خطى العولمة وبديهي ان العولمة التي تسعى الى تدويل أو كوكبة كل شيء في زماننا - الثقافات والأسواق والمجتمعات واهتمامات الناس.. الخ. انما ينجم عنها ظواهر تؤدي الى المزيد من تهميش واستبعاد ومن ثم الى بؤس وتعاسة اعداد غفيرة ومتزايدة من البشر وخاصة في جنوب العالم. وفي هذا الصدد - يصل الكاتب الأميركي كيفين كيللي الى التحذير من الارهاب الذي يصفه بانه (المد الشيوعي الجديد) فيما يختم المحرر، مايكل موريين صفحات الكتاب بطرح 10 تساؤلات تدور حول آفاق وتوقعات النتائج التي يمكن أن تفضي اليها مايسمى بحملة محاربة الارهاب. ورقة من فرنسا من بين الدراسات أو الورقات البحثية التي احتواها هذا الملف المستقبلي وقد بلغ عددها 22 ورقة بخلاف المقدمة التي تم بها تصديرها والتعريف بها يسترعي انظارنا الورقة التي كتبها الاستاذ جوهان جالتونغ وبعث بها من فرنسا ويلفت النظر أكثر انها تحمل تاريخ الثالث عشر من سبتمبر 2001 أي بعد يومين ليس الا من كارثة المركز التجاري الشهير ورغم هذه السرعة - هل نقول التسرع في اصدار الأحكام الا ان بعض هذه الأحكام مازالت تحتفظ بقدر من المصداقية العلمية أو قدر من السلامة المنطقية ازاء هذا الذي وقع في سبتمبر الماضي. والورقة مقسمة الى ثلاثة اجزاء منطقية بدورها وهي: (1) التشخيص (2) التقدير (3) العلاج في مجال التشخيص تقرأ الورقة الرئيسية احداث سبتمبر على انها أقرب الى ان تكون ردا انتقاميا على ماظلت اميركا تمارسه من نفوذ وهيمنة اقتصادية على الاقطار والشعوب الفقيرة في العالم.. بل هي رد - كما يضيف صاحب الورقة - على استخدام اميركا للقوة العسكرية ضد شعوب عزلاء وهي رد على استخدام أميركا قوتها السياسية ضد بشر لا حول لهم ولا قوة. وفي هذا السياق يقول جوهان جالتونج: - كل هذه الأمور تستدعي الى الذهن كثيرا من الاقطار حول العالم حيث مارست أميركا عمليات قصف أو استخدمت قوتها العاتية الجبارة ومن ثم افضى ذلك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة الى حال التعاسة والظلم الفادح الذي يموت في ظله 100 ألف انسان يوميا ممن يعيشون في ادنى قاع نظام اقتصادي (عالمي) يقرنه الناس باستمرار بالقوة الاقتصادية والمنعة العسكرية والهيمنة السياسية للولايات المتحدة. تم تلخيص الورقة البحثية الفرنسية الى مايلي: في ضوء هذه الملايين، وليس الآلاف من الضحايا، كان ينبغي توقع ان يتولد عن هذه الأوضاع رغبة في الانتقام.. في مكان ما وفي وقت ما.. حيث الخطوط الفاصلة الاساسية هي خطوط انقسام طبقي وانقسام بين الاقطار وانقسامات بين الشعوب دون ان تشكل صداما بين الحضارات. وفي مجال الحكم أو التقدير يقف الباحث عندما سبق التصريح به الرئيس الأميركي بوش حين استخدم لفظة «كروسيد» أو الحروب الصليبية في توصيف الصراع من وجهة نظره.. وفي هذا السياق يقول الباحث الفرنسي ان أول اطوار الجهاد ضد الصليبيين استمر 1966 سنة وبعدها انتصر المسلمون وثاني تلك الاطوار ضد اسرائيل لم يحسم بعد على حد تعبيره وثالث الاطوار كان ضد الشيوعيين (السوفييت) في افغانستان وقد انتهى من ناحية بطرد الروس وانهيار الكيان السوفييتي وانهاء الحرب الباردة لصالح الغرب الذين لم يوجه كلمة شكر الى الذين خاضوا غمرات هذا الجهاد. نصائح بضبط النفس سواء قبلنا أو رفضنا أو تحفظنا على وجهة النظر التي تصدر عنها ورقة البحث المستقبلية القادمة من فرنسا - فإن صاحب الورقة ينتهي الى ان ينصح واشنطن بضبط النفس وكبح الجماح وعدم المبادرة المتسرعة الى اي تصرف ازاء هذا الصراع.. بل ينصح بأن يأخذ القوم - كما يقول - نفسا عميقا وان يتأملوا ابعاد الصراعات ويعملوا على حلها بدلا من أن يبادروا الى تزويدها بالمزيد من عوامل التأجج ونيران الاشتعال لقد ظل يؤكد على دعوته للحوار.. ويشدد على أن هذا الحوار لا يمكن أن ينجح اذا ماتم على يد حكومات ولكن الاجدى ان تشارك فيه أطراف المجتمع المدني.. واذا كان الحوار بين الشرق والغرب قد خفف ويلات العالم.. فلم لا نجرب الحوار بين الشمال والجنوب.. وفي هذا تخلص الورقة التي نلمح اليها الى القول: - إن مستقبل العالم بات اكثر من أي وقت مضى بين يدي المصدر الوحيد للمشروعية وهو: الناس في كل مكان. وليت القوم سمعوا النصيحة وانصاعوا الى دعوة الحوار بين البشر.. وأصغوا الى صوت العقل والتريث والانضباط.. ولكنهم لم يفعلوا وهاهو العالم يدفع بالنتيجة ثمنا باهظا وعلى طول الخط. ـ كاتب سياسي من مصر