ليس العدوان المرعب على اطفال غزة، آخر احزاننا، ولا التغطية الاميركية لهذا العدوان مفاجئة، أو خارجة عن مسار الموقف الاميركي الداعم للكيان الصهيوني العنصري، بالسياسة والسلاح، منذ ميلاده حتى استوى شيطاناً مارداً.. انما الجديد، والمحزن، والمخيف، ايضا هو القرار العربي ازاء هذا الحدث الجلل وما سبقه من جرائم وارتكابات، ومجازر وعدوانات على البشر والشجر والحجر في فلسطين. تمنى احد المحللين على العرب بعدما امتلكوا من الفضائيات ارقاها، ومن الحواسيب ووسائل الاتصال ارفعها، ومن السلع الصحفية احدث صرعاتها، تمنى ان يوقف العرب كل جهد عبر تلك الوسائل، فيما يخص مسألة الصراع العربي الصهيوني، والحديث المبحوح والمجروح عن السلام، بجميع مواصفاته وميزاته والوانه، وان ينصرفوا لتحقيق امرين اثنين فقط، وهما: 1 ـ احكام المقاطعة بجميع اشكالها واساليبها وانواعها كافة ضد العدو الصهيوني واميركا. 2 ـ تحويل حركة الحياة العربية الى ابداع اساليب ومبادرات لدعم الانتفاضة الباسلة في فلسطين مع تعدد وجوه هذا الدعم، وتنوع حقوله ومساراته.. فبعد المبادرة العربية في قمة بيروت التي تشكل الحد الادنى المقبول ـ على مضض ـ شعبيا، وقبلها قرارات مؤتمر فاس الذي اعترف بالوجود السرطاني في الجسد العربي اذا نفذ القرارات الدولية ـ وبعده جاءت مدريد التي لوحت بما يكرس الاعتراف بتحقيق الانقلاب في المفاهيم والثوابت، والمنطلقات القومية التي لا تعترف إلا بفلسطين لأهلها، بعد هذا وفوق هذا على ما فيه من ذل وتنازل، وهبوط في سفوف الطموحات جاءت «اوسلو» لتلقي الماء البارد على الوجوه الحامية، وتضرب بعصا «القرار المستقل» ارادة الجماهير التي تعتبر فلسطين في قلب امتها، وان السفينة يملكها جميع من يبحر فيها، ويمتنع التفرد أو الانفراد الذي يقود الى الكارثة والغرق الشامل. بعد كل هذه المشاهد المحزنة والمحبطة التي توالت على مسرح القضية، وما رافقها من شعارات وعنتريات وتصريحات فوق المنابر تتناقض كليا مع ما يقال في الغرف المغلقة والصالونات الفارهة، والمحادثات المنفردة. اقول بعد كل هذا وبعد ما اثبتت اميركا بآلاف الادلة القاطعة والساطعة والفاضحة ايضا انها منفذ متحمس للسياسة العنصرية الصهيونية، وان آخر ما قرأته في كتاب العصر او تعترف به هو ان في هذا العالم منظمة دولية اسمها الامم المتحدة وان لها قيادة تدعى مجلس الامن!! فإن الشارع العربي لم يعد يأبه لكل ما يراه ويسمعه، من تصريحات ومؤتمرات وقرارات ومواقف وادانات لأنه اصبح على يقين ان كل كلمة تطلق لها وجهان ظاهر للضحك على الذقون، ولتحقيق المزيد من التعمية والتغطية وضياع العقول، وباطن هو ما يطمئن العدو الصهيوني وحماته في البيت الابيض وامتداداته في البيوت السود في المنطقة. لهذا يرى الشارع العربي ان سلاحا واحداً لم يجرب بجدية في هذا الصراع الوجودي مع العدو الصهيوني ولابد من استخدامه دونما ضجيج اعلامي أو منابر خلبية. وهذا السلاح له ثلاث مسارات: الاول: تحقيق التضامن الجماهيري الشعبي العربي الضاغط على أولي الامر بما يؤكد ان سلطاتهم انما هي رهن رضا هذه الجماهير عن مواقفهم السياسية ازاء القضية المركزية. الثاني: المقاطعة الكاملة والشاملة لأميركا والعدو الصهيوني ولا حدود لهذه المقاطعة او شروط عليها إلا شموليتها لكل ما هو صهيوني او اميركي. الثالث: تقديم الدعم للانتفاضة بدءا برغيف الخبز والمقلاع وانتهاء بالاستعداد لتقديم الدم والفداء لانتصارها، باعتبارها الطريق الاقدم والاسلم لتحرير الارض واستعادة الحقوق في فلسطين والجولان وجنوب لبنان واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين كل اللاجئين الى فلسطين. وعلى الجماهير العربية، ومنظماتها الشعبية ونقاباتها المهنية واحزابها السياسية ألا تنتظر المبادرة من الذين يخبيء كل منهم رأسه بقبعة منسوجة من الوعود الاميركية بالحفاظ على سلطانه كلما غازل اسرائيل، أو احكم قبضته الحديدية على الشارع العربي في بلده. ان الذين يقسمون العالم الى محاور شر او خير وفق مسطرتهم، ويواصلون التهديدات بالضرب والشطب والالغاء للعراق الشقيق، ويدعمون العدو الصهيوني بآخر ابداعات وصرعات اسلحة التدمير الشامل، علينا ألا ننتظر منهم ان يقفوا مع الحق والعدل في المنطقة حتى لو توسل لهم اخلص خلصائهم زاحفين امامهم على بطونهم وذقونهم لانهم مسكونون بالصهيونية العنصرية، والاحقاد التاريخية على العروبة. اخشى ان نتذكر قريباً ان ما جرى في غزة ليس إلا الانموذج المصغر للقادم من الجرائم والارهاب الصهيوني العنصري، ضد شعبنا، ومشروع امتنا القومي النهضوي، فهل نقرأ القادم الاعظم، قراءة المناضلين، ونتحصن لمواجهته بما يليق؟! نرجوا ذلك.. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب