وقفت إسرائيل، بغض النظر عن بعض الاستثناءات القليلة، وقفة واحدة وراء العملية الوحشية التي نفذها الجيش الإسرائيلي في غزة، أما الخلافات فقد تركّزت على التفاصيل. والمعنى أن الإسرائيليين في ظل العمى العنصري ـ العدواني الذي يتلبّسهم وغطرسة القوة التي تتملكهم لم يصلوا، بعد، إلى حد مناقشة الجدوى السياسية من عملية الاغتيالات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية ولا مبرراتها القانونية والأخلاقية، وهم لم يصلوا أصلا إلى حد النقاش حول معنى صراعهم الدامي مع الفلسطينيين والناجم عن وجودهم الاستيطاني والعدواني والاحتلالي في الأراضي الفلسطينية. وبشكل عام فقد حاول الإسرائيليون تبرير مجزرة غزة باستهداف صلاح شحادة باعتباره، من وجهة نظرهم، «قنبلة موقوتة» ولأنه قائد كتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحماس) ولكونه مسئولا عن تنفيذ العديد من العمليات الاستشهادية في إسرائيل. أما الانتقادات الإسرائيلية للعملية فقد تركزت، أولا، على توقيت هذه المجزرة، التي جاءت في ظرف تستعد فيه الفصائل الفلسطينية الفاعلة (وضمنها حماس) للتوافق على وقف تنفيذ العمليات الاستشهادية؛ وثانيا، على طريقة تنفيذ عملية الاغتيال التي استخدمت فيها قذيفة تزن طنا تم قذفها من طائرة إف 16؛ وثالثا، على مكان تنفيذ العملية التي حدثت في حي مكتظ بالسكان، ما أدى إلى استشهاد 18 فلسطينيا وجرح 150 معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ. وعلى كل حال فإن الأوساط الإسرائيلية المعارضة للحكومة شنت انتقادات عنيفة على شارون وعلى وزير دفاعه بنيامين بن اليعازر، ولوحظ أن ثمة تضارباً في تحميل المسئوليات، بين الأطراف التي خططت والتي نفذت والتي أمرت بتنفيذ العملية، وخصوصا بين المستويين: الأمني والسياسي. أما الأوساط المقربة للحكومة فقد جهدت للتغطية على هذه الجريمة البشعة من خلال ترويج الروايات المفبركة عن أن ثمة خطأ استخبارياً ما، وأن إسرائيل امتنعت سابقا عن تنفيذ عمليات الاغتيال بسبب تواجد أطفال أو مدنيين في مكان العملية! كما حاول هؤلاء الظهور بمظهر «حمائمي» من خلال ترديد عبارات الأسف لوقوع ضحايا مدنيين! والأنكى من هذا وذاك أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تجاهلت تماما أسماء الضحايا من الفلسطينيين وأعمارهم، متعاملة معهم على أنهم أرقام! ويمكن من متابعة التحليلات في الصحف الإسرائيلية ملاحظة مدى الاضطراب الحاصل لدى الإسرائيليين ومدى الضرر الذي ألحقته هذه المجزرة بسمعة إسرائيل على الصعيد الدولي، والتي تدعي أنها تحارب «الإرهاب» في حين أنها تمارس جهارا سياسة إرهاب الدولة لفرض احتلالها وسيطرتها بالقوة على شعب آخر. في الإطار الانتقادي للمجزرة، مثلا، كتب يوئيل ماركوس مقالا في «هآرتس» 26 يوليو قال فيه: «ذراعنا الأسطورية الطويلة تصبح غبية بعد ان كانت ذكية. ذات مرة أمسكنا فيلا بإبرة..أما اليوم فاننا نمسك إبرة بفيل..إلقاء قنبلة بوزن طن في مكان على هذا القدر من الاكتظاظ إما انه فشل استخباري، أو فشل فكري، أو نية مبيتة، وليس واضحا ما هو الأسوأ بينها.. شارون.. جلبنا الى النقطة التي اقترب فيها عدد قتلانا في الانتفاضة من عدد قتلانا في حرب الأيام الستة. وبدون سلام، وبدون أمن، يجرنا شارون الى هوة وجودية واخلاقية. وكل ذلك كي يحقق هدفيه في ان يبقى في المناطق وان يبقى في السلطة». وكشف بن كسفيت عن الهدف السياسي الذي يتوخاه شارون من تنفيذ المجزرة في هذا الوقت بالذات، قائلا: «في كل مرة يظهر فيها شعاع ضوء بالتحرك السياسي تقوم إسرائيل بتنفيذ عملية تصفية ذات صدى تعيد الوضع الى سابق عهده. هذا حدث عدة مرات في السابق، وهذا الأمر يكرر نفسه في هذا الأسبوع». «معاريف» 26يوليو. وجدير بالذكر هنا أن الصحف الإسرائيلية أوردت تقارير مفصلة عن المباحثات التي أجراها مبعوثون أوروبيون مع بعض القادة الفلسطينيين للتوصل إلى تفاهم يقضي بوقف العمليات الاستشهادية في إسرائيل وتركيز المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإعطاء دفعة جديدة لعملية التهدئة. وكان ناحوم برنياع قد حذر، وفي وقت مبكر، في مقال نشره في «يديعوت أحرونوت» 27 يوليو، من أن ثمة أصواتاً إسرائيلية تدعو للتماثل مع سياسة الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان، حيث صرع هناك، بدعوى أخطاء عسكرية، المئات من المدنيين، وحذر برنياع من قيام إسرائيل بخطوات غير محسوبة، وقال: «في القضايا المتعلقة بأخلاقيات الحرب لا يوجد لإسرائيل ما تتعلمه من الأميركيين..نحن لسنا أميركا، ويجب ان لا نكون أميركا، ليس فقط لان الولايات المتحدة هي دولة عظمى محصنة من العقاب، وليس فقط لان الجيش الأميركي يعمل اليوم في أفغانستان وغدا في مكان آخر ونحن عالقون هنا مع الفلسطينيين في الخير والشر. بل، وخاصة، لان الحرب بالنسبة لنا ليست إحصاء، هي لحم يمزق ودم يسفك. إنها أسماء، وبالنسبة لنا المس بالمواطنين ليس مجرد خطأ مؤسف، انه بيت يترعرع فيه الانتحاريون القادمون..ومن الجدير ان تتعلم حكومتنا من عبرة حكومة الابارتايد في جنوب افريقيا التي جربت أساليب مماثلة وفشلت». وبدوره ذكر عاموس هرئيل «هآرتس» 24 ابريل بأنها ليست المرة الأولى التي يفشل فيها شارون مساعي التهدئة، وبرأي هارئيل فقد حققت «عملية اغتيال صلاح شحادة نتيجة واحدة على ما يبدو وهي ان جيش الدفاع سيبقى في مدن الضفة لفترة طويلة أخرى؛ النقاش الداخلي الفلسطيني الذي نشأ حول جدوى العمليات الانتحارية أزيح جانبا لصالح التهديدات الفلسطينية بتسوية الحساب من خلال اغتيال أحد كبار المسئولين الإسرائيليين ومن المفضل ان يكون مع أولاده. لو كان هنا ذرة من الفرصة السانحة فقد تم تفويتها مرة أخرى - كما كان قد حدث في شهر يناير عندما تقرر قتل رجل فتح رائد الكرمي». ومعروف أن الكرمي اغتيل يوم 14 يناير، بعد هدنة استمرت قرابة شهر، ما أدى الى انهيار الهدنة وتصاعد عمليات المقاومة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، والتي صرع فيها 130 إسرائيليا خلال شهر مارس لوحده، وهو ما سهل على شارون تنفيذ هجمة السور الواقي في 29 مارس. ومن جهته فقد أكد يوسي ساريد زعيم ميريتس ورئيس المعارضة الإسرائيلية هذه الحقيقة بقوله: «لقد كانت تصفية صلاح شحادة في غزة خطأ. كل إنسان عاقل ومسئول يجب ان يعارض أسلوب العملية وكذلك توقيتها.. وهذه ليست المرة الأولى. في ديسمبر الماضي وفي أوج أيام الهدوء النسبي وجدت الحكومة من الصواب تصفية رائد كرمي وتحطم الهدوء الى أشلاء. هاتان الحالتان معا تثيران الاشتباه بأن حكومتنا ربما غير معنية وفي كل الأحوال غير مستعدة للاستثمار في استقراره وتعزيز الهدوء». «يديعوت أحرونوت» 24 يوليو. ووضع جدعون سامت أصبعه على حقيقة المغزى السياسي الذي يكمن وراء تنفيذ المجزرة، فبرأيه أنه: «على الرغم من أقوال الكذب والبهتان، فليس لشارون أي نية للسعي نحو اتفاق حقيقي مع الفلسطينيين. وتصفية شحادة صادق عليها بعد بيان غير عادي من احمد ياسين (بوساطة سعودية) عن الاستعداد لوقف العمليات إذا ما خرجت إسرائيل من مدن الضفة». «هآرتس» 24 يوليو. وذهب ران ايدليست أبعد من ذلك، في حديثه عن أهداف شارون السياسية، وبرأيه فإن شارون يستهدف من وراء العملية، أيضا، استدراج الفلسطينيين إلى رد عنيف يسهل له تجريد حملة عسكرية كبيرة ضدهم ربما تصل إلى حد مهاجمة قطاع غزة، وهو يرى أن المجزرة مجرد دليل يأس وأنها ليست عملية عسكرية ناجحة، كما يدعي شارون، وبحسب ايدليست: «عملية غزة تبدو من الناحية السياسية عملية يائسة، لحكومة لا تنجح بتحطيم الإرهاب، يرافقها الأمل بأن يخضع الفلسطينيون وتتمكن إسرائيل من مواصلة احتلال المناطق. بعد قيام الفلسطينيين برد قاتل على عملية الاغتيال، ستدعم الحالة النفسية الشعبية الحكومة، التي ستستخدم الجيش بكامل قوته.. الجيش جاهز لدخول غزة، أيضاً شارون يتخوف من أن تضطره فترة طويلة بما فيه الكفاية من الهدوء، للعودة إلى طاولة المفاوضات التي ستفضي لدولة فلسطينية عند نهايتها». «يديعوت أحرونوت» 24 يوليو. في كل الأحوال مازال الإسرائيليون يناقشون الأمور من زاوية مصالحهم وأولوياتهم متعامين عن حقيقة المأزق الذي يغرقون فيه، ودوامة الدم والدمار التي يذهبون إليها بمعية شارون، ومتجاهلين أيضا الشعب الآخر الذي يحاولون تغييبه أو إلغائه سياسيا ومعنويا، ما يؤكد أن إسرائيل، المجتمع والحكومة، مازالت تتغذى على أوهام القوة وأيديولوجيا العنصرية والكراهية. وما لم تتحرر إسرائيل من هذه الأوهام والأيديولوجيا فإنها ستقود شعبها والمنطقة إلى مزيد من التوتر وإلى دوامة جديدة من الدمار ونزف الدماء. ـ كاتب فلسطيني