مع انقشاع السحب الصيفية في سماء باريس وحلول الشمس على ربوع الريف الفرنسي الجميل، زارني في بيتي جاك شوميناد المرشح للرئاسة الفرنسية ضد شيراك وجوسبان عام 1995 وأهداني كتابه الاخير بعنوان: «روزفلت ـ ديجول ـ موني كيف نواصل كفاحهم؟». وأنا أعرف الصديق شوميناد منذ مطلع الثمانينيات حيث تجولنا معا في بعض عواصم اوروبا وواشنطن لالقاء محاضرات حول النظام العالمي الجائر الذي ولد عام 1945 في بريتون وودس ويشرف عليه صندوق النقد الدولي، مع ما رافق ذلك النظام من كوارث في العالم الثالث وبعضها في عالمنا العربي، كنا نطلق عليها آنذاك تمرد الخبز او ثورة صندوق النقد اذا ما نفذت حكومة ما تعليمات الصندوق والتي هي عادة: التخفيض من قيمة العملة المحلية ورفع الدعم الحكومي عن المواد الغذائية الاساسية وتسريح العمال والموظفين من مؤسسات القطاع العام ورفع الضرائب عن السلع الواردة.. أي كل مايفتح ابواب البلاد على الفوضى وتوحش الرأسمالية وبداية صراع الطبقات. تذاكرنا انا والصديق شوميناد ايام كان المعهد العالمي «شيلر» سباقا لفضح ايديولوجية بريتون وودس وممارسات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للبناء والتعمير، وكنا سباقين في الاشارة الى اقتراب انهيار الاتحاد السوفييتي والدعوة الى علاقات دولية قائمة على العدل بجناحيه السياسي والاقتصادي حتى نضمن السلم الدولي. واليوم كما يقول لي جاك شوميناد تتلاحق الاحداث الكبرى التي تعطينا مصداقية. فها هي دودة الشركات الاميركية العملاقة تنخر تفاحة الامبراطورية الاميركية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي وبالطبع السياسي العالمي الجديد. فقد ثبت ان ثلث هذه الشركات تستعمل كشوفا حسابية مزيفة ومنفوخة ومزورة.. بقصد جلب اصحاب الاسهم من صغار المحامين والتمتع بامتيازات حكومية لتشجيع التصدير. وفي هذا المناخ صدر في اميركا وفي الاتحاد الاوروبي كتاب شديد الاهمية بعنوان «اليقظة من الاوهام الكبرى» وهو هام جدا لان مؤلفه ليس سوى عالم الاقتصاد الاميركي جوزيف ستيجليتز الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد والمدير المساعد لصندوق النقد الدولي سابقا (قبل ان يستقيل احتجاجا على سياسات الصندوق) ومستشار الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون على مدى ثماني سنوات. فالرجل اذن ليس دخيلا على التحولات الاقتصادية العملاقة الحاصلة على العولمة، بل هو احد صانعيها ثم مع الزمن احد معارضيها يقول جوزيف ستيجليتز في كتابه ان قانون الصمت يتحكم في اعمال صندوق النقد الدولي، ولذلك فنتائج سياساته الكارثية تظل مجهولة من قبل الجمهور الواسع وحتى من قبيل النخب الحاكمة أحيانا فالصندوق يقدم لكل دول العالم بلا استثناء وصفات للخروج من التخلف، وهي وصفات ثبت اليوم انها مستحيلة التطبيق او مأساوية العواقب في اغلب الدول، بل ان الدول التي نجحت في التقدم الاقتصادي مثل ماليزيا هي الدول التي رفضت تطبيق تعليمات صندوق النقد الدولي... وطبقت عكسها تماما. ويضيف الكاتب الحاصل على جائزة نوبل لقد تحادثت مع رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد وأكد لي ان سياسة حكومته هي بالضبط حركة عصيان لوصفه صندوق النقد الدولي، لأني فرضت رقابة على هروب رؤوس الاموال الوطنية الى الخارج وخفضت من نسبة الفوائد في الاعمال المصرفية وساعدت الشركات المهددة بالافلاس على النهضة بعد الكبوة، في حين ان صندوق النقد الدولي كان يشير علي بتركها تغرق ويضيف مهاتير محمد قائلا: «اما اندونيسيا في عهد سوهارتو فقد طبقت تعليمات الصندوق بحذافيرها وتم ذلك في مناخ سياسي متعفن باصرار الجنرال سوهارتو على الحكم واصرار معارضيه على تنحيه، والنتيجة انهار الاقتصاد الاندونيسي..». ويعلق صاحب جائزة نوبل للاقتصاد على الدودة التي تنخر تفاحة الاقتصاد الاميركي فيقول انها ستنخر كل شجرة التفاح في العالم باسره لان العولمة مع الاسف وضعت الامبراطورية الاميركية في مقدمة قافلة العالم خيرا وشرا، ووضعت كذلك الاقتصاد الاميركي في مركز القلب من الاقتصاد العالمي. وينصح بأن تعيد أميركا النظر لا في فلسفتها الاقتصادية فحسب، بل في قواعد سياستها وقوتها مع صعود قوى عظمى جديدة مثل الاتحاد الاوروبي وعملته الموحدة اليورو التي بلغت يوم 20 يوليو قيمة الدولار بالضبط، ومثل الصين التي تشكل سوقا عملاقة... وطاقة انتاج منضبطة وضخمة. ـ