هذه المرة قالها الاسرائيليون أنفسهم، أو بعضهم على الأقل، بعبارات لا تحتاج الى أي تفسير او توضيح. لقد قالوا لنا ـ اذا كان هناك من يسمع، أو يريد أن يسمع، أو يجرؤ على أن يسمع ـ ان الصهيونية والعنصرية هما شيء واحد بل ايديولوجية واحدة بكل معنى الكلمة. بل قالوا أكثر: ان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية في الثمانينيات، ثم وافق العرب على الغائه بضغط من الولايات المتحدة وب «أضغاث أحلام» أشاعها مؤتمر مدريد في التسعينيات، كان قرارا صائبا ولا غبارعليه، وأنه يمكن اعادة طرحه على المنظمة الدولية وأخذ موافقتها عليه بكل سهولة الآن. أبرز القائلين كان الكاتب في صحيفة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية، ب. ميخائيل، الذي نشر مقالا في الصحيفة (9/7/2002) قال فيه بالحرف: «اذا تواجد في الأمم المتحدة، مرة أخرى، من يسعى الى تأكيد أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية، فلن يتحتم عليه بذل جهد زائد لأثبات ادعائه». كان الكاتب الاسرائيلي يعلق على مشروع قانون أقرته حكومة ارييل شارون، قبل ذلك بيوم واحد، وبأكثرية 22 صوتا في مقابل صوتين فقط، يمنع عرب الأراضي المحتلة العام 1948 من تملك اراض في اسرائيل. واضاف انه «يكفي ـ في الجمعية العامة ـ التلويح بهذا القانون وارفاقه بشريط مسجل للمقابلة الأذاعية التي أجريت مع المسئولة عن التعليم لدينا (وزيرة التعليم لينور ليفنات) غداة مصادقة الحكومة على الأقتراح... كي يصبح صعبا على الجمعية العامة رفض هذه الأدلة القاطعة». وصحيح ان الحكومة الاسرائيلية عادت بعد ذلك فأقرت بأكثرية 17 صوتا ضد اثنين «طرح المشروع على مزيد من الدراسة»، أي وضعه على الرف مؤقتا، الا أن ذلك لا يغير في الأمر شيئا. فحقيقة ان خمس السكان في اسرائيل ( حوالي مليون نسمة ) هم من العرب، وأن 95 في المائة من الأراضي فيها معتبرة «أراضي أميرية» ، أي مملوكة للدولة، تجعل من مسألة التمييز العنصري تحت شعارات طنانة عن الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة الأجتماعية في اسرائيل مسألة لا تحتمل أي جدال. وهذا ما قالته بالفعل وبوضوح تام صحف أميركية مثل «كريستيان ساينس مونيتور» وبريطانية مثل «الاندبندنت» ، اضافة الى صحف اسرائيلية أخرى مثل «هآرتس» و«معاريف» وغيرهما. واذن «الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة»، بحسب الشعار الأميركي ـ الأوروبي الذي ما انفك يجلد العرب والعالم منذ سنوات، هي عمليا وبالممارسة دولة عنصرية بامتياز، تماما كما كانت دولة الابارتايد في جنوب أفريقيا أو ما كانت عليه مرحلة قوانين نورمبرغ في ألمانيا، وفق تعبير ميخائيل في مقاله. أكثر من ذلك، يقول الكاتب الاسرائيلي، فالقانون يشرع «التمييز العلني بين دين ودين، ويضطهد من دون خجل على أساس عرقي».. وهو «فضفاض بما فيه الكفاية كي يسمح بمنع تأجير الشقق السكنية للعرب، ومنع سكنى العرب أو منحهم تراخيص لأفتتاح مصالح تجارية، حتى انه يمكن من خلال خدعة صغيرة، منع دخول العرب الى كل قطعة أرض من أراضي الدولة التي يسري عليها القانون بمجرد توسيع بعض التعريفات التي تشملها قوانين الأرض». بل ان الكاتب الاسرائيلي يكشف سرا عندما يقول انه للآن لا يوجد في اسرائيل قانون يحدد معايير عنصرية واضحة وانما «هناك معايير تصرفات عنصرية، هناك تطبيق للتمييز، هناك شعوذة قانونية وادارية تسمح بالتمييز، لكنه لا وجود لقانون عنصري يحمل عبارة «لليهود فقط»، او ما يشتق من هذه العبارة، لأن الخجل كان يحافظ على نقاوة قوانينا... لكن ليس بعد اليوم! وماذا بعد اليوم؟! ليست المفارقة في اسرائيل هي فقط مفارقة نظام يقول انه ديمقراطي أو أنه نظام حريات سياسية أو حتى انتخابات ديمقراطية. فما تعرض له عضو الكنيست العربي عزمي بشارة في الشهور الماضية ثم بعد ذلك زميله في الكنيست أحمد الطيبي يكفي لاثارة علامات استفهام كبيرة حول ديمقراطية اسرائيل التي وصفها بشارة بأنها «لليهود في ما بينهم، ولهم في قمع العرب والتمييز ضدهم». المفارقة هي الديمقراطية العنصرية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني التمييز ضد كل من هو غير يهودي. ومتى؟! ، في الوقت ذاته الذي ترفع فيه كل من واشنطن وتل ابيب عقيرتها ضد ما تسميه «الكفر بالحياة.. وعدم احترامها»، لأن شبانا عربا يضحون بأنفسهم في العمليات الاستشهادية التي ينفذونها في الأراضي المحتلة، لا لشيء الا لتحرير هذه الأراضي من الاحتلال الاسرائيلي. ولا تماهي بأي مقياس كان بين الديمقراطية والعنصرية، ولا بين الانتخابات النيابية ورفع الحصانة عن النائب المنتخب لمجرد انتقاده السياسات القمعية والعنصرية للدولة التي يفترض أنه ينتمي اليها، ولا حتى في التكافؤ في الفرص بين اليهودي الغربي واليهودي الشرقي. مع ذلك فلم تر واشنطن ولا لندن ولا غيرهما من الدول الديمقراطية في العالم مثل هذا التناقض، ولم ترفع أي صوت مناهض للممارسات العنصرية هذه... وليس ضد سكان الضفة الغربية وغزة من الفلسطينيين، وانما ضد سكان اسرائيل نفسها. ثم كيف تكون السلطة الفلسطينية في حاجة الى «اصلاح» جذري، بل والى قيادة جديدة، ولا تكون حكومة مثل حكومة ارييل شارون التي أقرت مثل هذا القانون ـ وان كانت رأت لاحقا التغطية عليه بصورة مؤقتة ـ والتي تضم بين صفوفها وزيرة مثل ليفانت في حاجة بدورها الى «اصلاح» ناهيك عن أن لا تكون اسرائيل نفسها في حاجة الى قيادة جديدة؟! قالت ليفانت، في سياق تبريرها للقانون، ان أحد أهدافه هو مكافحة «العامل الديموغرافي» الذي يشكله تزايد السكان العرب السريع في داخل اسرائيل، أي عمليا الضغط على هؤلاء بهدف احراجهم على طريق اخراجهم. وشارون نفسه لم يخف في أي يوم ان استراتيجيته كانت وما تزال تقوم على حلم ترحيل الفلسطينيين من الضفة والقطاع وربما من اسرائيل ايضا الى شرقي الأردن وغيره من البلدان العربية. كذلك فطرح القانون ذاته على التصويت، ثم الموافقة عليه بأكثرية شبه مطلقة، لا يخرج من جهته عن هدف ليفانت أو عن استراتيجية شارون. والهدف من ذلك كله لا يختلف عن الهدف المبيت من حرب «الابادة الجماعية» التي يشنها شارون على مدن وقرى الضفة والقطاع منذ حوالي العامين. تلك حقائق لا يختلف عليها اثنان، لكن «ديمقراطية» اسرائيل ما تزال مع ذلك بألف خير، وحربها لأبادة الشعب الفلسطيني هي «دفاع عن النفس»، والعمليات الاستشهادية هي من نوع «التمييز العنصري» بين البشر لأنها لا تستثني المدنيين في اسرائيل من ناحية وتعبر عن كره للحياة الأنسانية من ناحية ثانية... ومن لا تعجبه هذه المقولات، يستطيع ان يشرب من مياه البحر! هل يبدو هذا الكلام مكررا؟! ربما، لكن ألا يمكن لمثل هذا السؤال أن يطرح نفسه هنا مجددا: هل بين العرب، دولا وحكومات، أو حتى أفرادا ولجانا ومؤسسات أهلية، من يجرؤ على أن يلجأ الى الجمعية العامة للأمم المتحدة أو الى جمعيات حقوق الأنسان أو الى بعض المؤسسات المدنية أو أجهزة القضاء المستقلة في العالم، من أجل استصدار قرار جديد ـ ولو كان رمزيا ـ يساوي بين الصهيونية والعنصرية كما كان الحال في الثمانينيات؟! ان في العالم، وحتى في اسرائيل ذاتها كما تشير صحف «يديعوت احرونوت» و «هآرتس » و «معاريف» ، من هو مستعد لمد يد العون او حتى ربما لتقديم شهادة شخصية على عنصرية اسرائيل، أو أقله على عنصرية هذا القانون. ليس التحرك في هذا المجال مستحيلا على نخب المثقفين، ولا على الهيئات غير الحكومية، اذا كان «صعبا» لسبب او لآخر على الدول والحكومات. ثم على افتراض صعوبة استصدار مثل هذا القرار في ظل الاختلال القائم في العالم لمصلحة اسرائيل، او أن لا تكون له في حال صدوره ما يحتاج اليه من قوة تنفيذية، ألا يستحق اجبار شارون على التزام حد ما من الخجل يطيل من أمد ابقاء مشروع القانون على الرف او يلغيه نهائيا، مثل هذه المحاولة؟! أم أن مثل هذا الكلام مكرر ولا فائدة منه كذلك؟! ـ كاتب لبناني