اذا كان الكاتب المسرحي المعروف فاتسلاف هافل، الذي يرأس حاليا جمهورية «تشيكيا» يقول: «ان المجتمع حيوان غامض جدا، مكتنف بالأسرار، له وجوه مخفية عديدة، وانه من قصر النظر ان تعتقد ان الوجه الذي يعرضه المجتمع لك في لحظة من اللحظات، هو الوجه الصحيح الوحيد، فلا احد منا يعرف جميع الكوامن النائمة في روح السكان». من هنا نستطيع ان نستغل الكلمات السابقة لاثبات شيء اخر، وهو ان الادبيات الشفاهية للمجتمع تعتبر في زعمنا احدى الوسائل الخطيرة لتبديد بعض الغموض الذي يكتنف الظاهر لنا ويبدو ان «هافل» اراد شيئا مختلفا عما توحي به كلماته، وهو ان دراسة خصائص المجتمعات وقراءة روحها وشخصيتها لا يجب ان تعتمد على الظاهر فقط بكل تجلياته وان تمحيص هذه الشخصية يجب ان يستند على اكثر من آلية تمكننا من القبض على اكبر قدر ممكن من التفاصيل الجوانية لهذا المجتمع او ذاك. وبسبب ولعي وعشقي لعالم الامثال الشعبية التي تشير بصورة واضحة الى مكنونات اي مجتمع تلك التي كنا نرددها في طيبة وبساطة كتعبير مكثف عن موقف ما او حتى لاختلاق اسباب لتمرير بعض المواقف السلبية، لاحظنا أن هذه الامثال احيانا تفرز نقيضها في موقف مخالف، مما يضفي على مصداقيتها الكثير من الشك والريبة فاذا كنت خائفا من شيء ما، قيل لك «اللي يخاف من العفريت يطلع له» واذا كنت مقداما وجريئا بطبيعتك قيل لك «من خاف سلم» واذا كنت من المفرطين في التأنق قيل من وراء ظهرك «من بره الله الله ومن جوه يعلم الله» في حين لو كنت زاهدا، ولا تلقي بالا للمظاهر الكاذبة سمعتهم يقولون لك «كل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس».. وهكذا. من هنا فان اعتقادنا بضرورة اتخاذ الامثال الشعبية مدخلا مهما لتفكيك ما تطلسم، وتبسيط ما تعذر وفهم ما استعصي على الفهم كان له مبرراته لان الامثال الشعبية العربية مسكونة بالمخزون القيمي ما ظهر منه وما بطن، وتعج بالسخرية والفكاهة والنقد المهين، وحب الممالأة والخنوع او المواجهة، والتطبيل والتجريح، عالم كامل من حراك الروح العربية وجغرافيتها الداخلية. واذا كانت الامثال الشعبية تعتبر محصلة للخبرة الحياتية التي صاغها اجدادنا في اقوال ومأثورات، الا انها متهمة بالترويج لقيم مرفوضة، وسلوكيات مأفونة، دون ان ندري بكارثية تجاهلها دون مراجعة، لذلك وجب تفريغها من محتواها خاصة انها مازالت نبراسا لكسالى العقل، وبائعي المبررات، او بعض الواقعين في شراكها. فمنذ ان قرأت منذ سنوات دراسات الباحث الراحل سيد عويس عن دور الامثال الشعبية في الكشف عن البنية العقلية للمجتمع المصري، وهي دعوة لتحليل باقي المجتمعات العربية عبر هذا الرافد الفذ، ولا مجال للحجج... اقول منذ ذلك الحين، ونحن مشغولون ببعض الامثال الشعبية التي تحتاج الى اعادة تأهيل، وفضح كواليس معناها، لا لشيء، سوى رغبتنا الحميمة في ضرب بعض مسلمات البسطاء، والمنساقين وراء الاستسهال. فمثلا هناك مأثور يحتل ألسنتنا كلما جاءت مناسبته، وحانت مفرداته وتواطؤ مؤيديه ـ ذلك المثل الذي يقول «اعط العيش لخبازه حتى لو أكل نصفه» ولقد فكرت كثيرا في هذا المثل الذي هو اساس كلمتنا في كشف سوءة هذا المثل وتعريته بسؤال مرير وهو لماذا يأكل الخباز نصف الخبز، مادام يأخذ اجره مقابل عمله؟ وهل مكتوب علينا ان ينهبنا الخبراء في كل المجالات طالما انهم يفيدونا بانتاجهم المنقوص؟ لماذا يجب ان نصفق للسارقين او نغض الطرف عنهم؟ من الذي صرح بهذا القدر الموبوء السلطة ام الشعب؟ اسئلة تجرنا الى سؤال اكثر ايلاما وهو: ان كنا نكره السلطة التي تفضل اهل الثقة على حساب اهل الخبرة، فلماذا ندعو عبر امثالنا الى افضلية اهل الخبرة عن اهل الثقة حتى لو كانوا حرامية؟ شيء ما يمشي تحت جلودنا يهبنا قدرة غريبة على استدعاء كافة المبررات لتكريس السلبيات والاوضاع السيئة والترخيص بالسرقة.. ان نظرة متأنية لامثالنا الشعبية تكشف الكثير عن العادات غير الحميدة التي قد نتولاها بعنايتنا الشفاهية. لن نطيل اكثر من ذلك.. ففي الفم ماء كثير.