استدرجني صديق لحوار الطرشان، وبدأ يعطيني درساً اجبارياً في الأغنية الشبابية وايقاعها الذي يتناسب مع ايقاع العصر، وانه صار يفضلها كثيراً على الأغاني القديمة، أو تلك التي يقف المطرب فيها يغني بالساعات . وحسب كلامه فالمغني اليوم فهم لغة العصر، وتفهم ما يعجب الشباب من فتية وفتيات، فأخذ يقدم لهم الأغنية بنظام الوجبات السريعة! ولذا تجد شباب هذه الأيام لم يعد مهتماً بالأغاني القديمة ولم تعد تستهويه. واستطرد في كلام كثير وطويل مستعرضاً إعجابه الشديد وانبهاره بالأغنية في هذه الأيام، وقد ذهبت كل محاولاتي سدى لمجرد اقناعه ان لكل جيل خصوصيته وإذا كان الشباب في هذه المرحلة العمرية الصغيره يستهويه هذا الشكل والمضمون من الاغاني، فهذا لا يتعلق بايقاع العصر, بقدر ما يتعلق بطبيعة المرحلة التي يمر بها، وعندما وجدت انه لا أمل في أن يتفهم صديقي وجهة نظري ختمت النقاش معه لأنهي الحوار الذي لا طائل منه. والحقيقة انه رغم التسليم بظاهرة الأغنية الشبابية، وتسويقها بما يسمى «الفيديو كليب» الذي حول الأغنيه الى فيلم، فتنازلت الأذن عن خاصيتها للعين وصار الواحد يشاهد الأغنية ولا يسمعها، اقول رغم ذلك إلا ان شريحة الشباب نفسها بعد فترة من الزمن، وبعد تجاوز المرحلة العمرية التي لا يستقر فيها الشاب او الشابه على اختيار معين، تجد الكثير منهم يبدأ في البحث عن الاغنية القديمة يستعذبها من جديد تجدها تستقر في ذاكرته بصورة أرسخ، لأن الأغنيه الشبابيه لم تتملك ذاكرته وكانت مجرد رفيق مرحلة قصيرة. بعد وداع الصديق، جال في خاطري كيف كنت مولعاً بأغاني كوكب الشرق السيده «ام كلثوم» واتذكر ان السبب في هذا التعلق كان العزيز سهيل سالم السواد الذي كان يجمع اغانيها ويدونها و« سهيل» هذا، هو اللاعب الذي سجل للإمارات أول هدف دولي في كرة القدم في دورة الخليج الثانيه في مرمى قطر العام 1972 كنا نعيش في فريج واحد ورغم ان سهيل يكبرني ببضع سنين ألا أنه شجعني على الاستماع للسيدة وأمدني بدفتر الأغاني الذي عنده فكنت انسخها وانتظر سماع الأغنيه في الراديو حتى ارددها معها منتشياً. وصادف انه قبيل ان تغني ام كلثوم رائعتها «هذه ليلتي» للشاعر اللبناني جورج جرداق، نشرت الأغنية في مجلة «آخر ساعة» وكالعادة قمت بقص صفحة الاغنية واحتفظت بها في كتاب المنطق في ذلك الوقت حيث كنت في المرحلة الثانوية «أول ثانوي» وبدون ترتيب فتحت كتاب المنطق في وقت الحصة، فوجدت الأغنية في وسط الأوراق فتركتها وبدأت استمع للشيخ عبد الودود شلبي وهو يشرح الدرس، ولأن عددنا لم يكن يتجاوز أربعة عشر طالباً, فكنا جميعاً تحت نظر الأستاذ وبمرور الوقت، ولأن الحصة حصة منطق, ولأن شيخنا كان يردد علينا دائماً: «من تمنطق فقد تزندق » ويبدي ضجره من هذه المادة وحشرها في المنهج، وجدت نفسي أقلب اوراق الكتاب الى ان وصلت الى الاغنية، وبدأت اقرأ فيها باعتبار ان شيخنا الجليل لن يلتفت للأمر وفجأة وجدته فوق رأسي! وأخذ الكتاب وأخرج منه قصاصة مجلة « آخر ساعة» فوجد الأغنيه وبدأ فاصلاً من التأنيب ثم... وبلا مقدمة وجدت الشيخ يبدي شيئاً من الإعجاب لم أفهم مغزاه قائلاً « يا سلام ياسي أحمد ما هذا الشعر الجميل؟! » وترك الشيخ حصة المنطق وبدأ يقرأ القصيدة بصوت عال يسمعه كل الزملاء. هذه ليلتي وحلم حياتي ®. بين ماض من الزمان وآت الهوى انته كله والأماني ®.فاملاً الكأس بالغرام وهات بعد حين يبدل الحب دارا .. والعصافير تهجر الأوتار وظل الشيخ عبد الودود شلبي يبدي إعجابه بالكلمات ويردد «الله الله يا شيخ أحمد» وكل الزملاء ينتظرون الفصل الأخير في هذا الموقف، وكان هذا الفصل عندما وصل استاذنا الى البيت الذي يقول: يا حبيبي أنت خمري وكأسي.. ومنى خاطري وبهجة أنسي وإذا بشيخنا تتغير ملامحه أخذ صوته يعلو «يا سلام خمري وكأسي في المعهد الديني» وأظهر غضباً شديداً، وما هو أكثر من الغضب وخرجت من الصف على أثر هذا الموقف.؟ ما أود أن اخلص له أن كثيراً من الأغاني لا تبق معك فتره طويلاً بينما هناك أغان تبقى معك العمر كله وإذا راجعت هذا النوع من الأغاني فستجده في غير ما يعرف بالأغاني الشبابية.!!