قبل حوالي شهرين عدت للقاهرة لقضاء اجازتي الصيفية السنوية وايضا لكي ارى مولودتي الجديدة سلمى التي تصادف مجيؤها للحياة مع بدء الاجازة. وقبيل العودة التقيت بأصدقاء وزملاء كثيرين كانوا قادمين لتوهم من القاهرة.. وبالطبع فمثل هذه اللقاءات يكون قاسمها المشترك بعد «السلامات والطيبات» السؤال عن الاحوال وكيف تسير الحياة وما الذي تغير. النبرة شبه الموحدة في ردود هؤلاء القادمين هي اتفاقهم على وجود ازمة اقتصادية حقيقية سببها المعلن هو ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه بأكثر من 30% خلال عام واحد، وان ذلك استتبعه زيادة في غالبية السلع والخدمات مع بقاء الاجور والمرتبات شبه ثابتة. يضيف هؤلاء ان الناس هناك ـ يقصدون المصريين ـ قد تغيرت طبائعهم وان الغالبية اصبحت مهمومة بالجري وراء لقمة العيش التي اصبح توفيرها صعبا. المهم وصلت الى القاهرة مهموما بعض الشيء متأثرا من الحكايات الكثيرة التي سمعتها، وخلال الاسبوع الاول من الاجازة سمعت حكايات مماثلة من الاهل والاصدقاء في القاهرة والصعيد والاسماعيلية، الاصدقاء وغالبيتهم من الصحفيين المنتمين للطبقة الوسطى ودخولهم تعد مرتفعة قياسا للطبقات الاخرى تحدثوا بمرارة عن ان مرتباتهم ـ التي اصبحت بالالاف ـ لم تعد تكفيهم، واسترسلوا في قصص الفساد التي تزخر بها صحف القاهرة خاصة المعارضة منها. بل ان بعضهم وصل الى قناعة بأن هذه الازمة الاقتصادية قد ادت الى ان اخلاق المصريين الشائعة مثل الامانة والقناعة «والرضا بالمقسوم» قد تبدلت تماما وان الفقر لدى البعض يدفعه الى السرقة احيانا وقبول الرشوة في احايين كثيرة. ازدادت همومي بعد سماع هذه القصص المتنوعة لكن بضع حوادث صغيرة جرت وقائعها في اسبوع واحد جعلتني اشعر بالاطمئنان وان ما يجري على السطح لا صلة له بالواقع الحقيقي. ذات يوم وكنت موجودا في النادي الاهلي ـ رغم انني زملكاوي متعصب ـ وجدت تليفونا محمولا يرن في حديقة الاطفال، امسكت بالتليفون لاكتشف ان صاحبته قد فقدته، ابدت السيدة استغرابها انني لم اغلق الجهاز واستولي عليه.. المهم اعدت التليفون للسيدة وشكرتني مئات المرات لما اسمته امانتي التي اعتقد انها ببساطة واجب ينبغي على الجميع ان يفعله. مرت هذه الحادثة ببساطة وبعدها بيومين واثناء عودتي للمنزل بالقاهرة فقدت تليفوني المحمول في احدى سيارات الميكروباص اتصلت بالرقم معتقدا انه سيكون مغلقا وان من وجده سوف يستولي عليه طبعا لما سمعته من كثيرين، لكن المفاجأة ان من وجده قام بالرد علي، واعاده لي رافضا قبول اي مقابل، السيناريو نفسه تكرر بحذافيره لكن في سيارة تاكسي، واصر من وجد التليفون على عدم قبول اي مال مني مستنكرا ذلك بشدة لانني بذلك سأضيع اجر امانته، وبعد ذلك بيومين تكرر السيناريو مرة ثالثة ولكن هذه المرة في اسيوط بصعيد مصر. حكيت هذه القصص لاصدقائي الذين حدثوني عن قلة الامانة وكيف يفسرون ان الاشخاص الثلاثة لم يصادروا التليفون رغم ضائقتهم الاقتصادية، فثلاثتهم ينتمون الى الطبقة الفقيرة او ربما ما دونها. بعضهم قال انها حالات نادرة، اما البعض الآخر فعلق ساخرا انني عملت «حسنة» حينما اعدت التليفون للسيدة وبالتالي فلي عشر حسنات وهكذا يصبح من حقي ان افقد «الموبايل» سبع مرات اخرى وانني سوف استعيده ببساطة. وبعيدا عن ذلك فالمسألة ببساطة كما لمستها بنفسي انه مقابل الحديث عن الازمة الاقتصادية ومظاهرها المتنوعة وقدرتها على التأثير في سلوكيات البعض فان القاعدة العريضة من المصريين مازالت بخير. غالبية الناس تذهب الى المسجد للصلاة، وتطلق احدث النكات و«الافيهات» الطازجة وهي «محشورة» داخل الاتوبيسات المزدحمة، وتنفعل كثيرا امام مباريات الدوري وكأس العالم وتنام قريرة العين على أمل غد افضل. اللصوص كثيرون نعم، لكن اولاد الحلال اكثر، ومصر لسه بخير.