انها أجمل رسالة عشق إلى الأبدية، صاغها زوج محب ولهان، ومن الحجر والألوان يخلد بها من كانت موضعا لسره ونجواه، أيضا لكينونته المادية، فيها كان يتم نقصانه،وبها كانت تكتمل. من أشهر الأمثلة التي عبر بها الرجل عن حبه بالحجر ضريح تاج محل بالهند، لكن هذا المأوى الأبدي الذي أتوقف أمامه اليوم يسبق تاج محل بأكثر من ثلاثين قرنا أكثر من ثلاثة آلاف عام، انها مقبرة «الجميلة قد أتت» وتلك هي الترجمة الحرفية بالعربية للاسم المصري القديم «نفرتاري» زوجة أشهر ملوك مصر القديمة وأطولهم حكما، وأكثرهم شغلا للناس حتى الآن، من نعرفه باسم رمسيس الثاني والذي ترقد مومياؤه في جناح متواضع بالمتحف المصري، معروضة لمن يدفع قروشا معدودات، هذه المومياء التي شغلت العالم منذ سنوات عندما سافرت إلى فرنسا لعلاجها من الفطريات، وتم استقبالها بالمراسم نفسها التي يقابل بها الملوك والرؤساء الذين يجيئون إلى فرنسا في زيارات رسمية. بين الحين والحين أتردد على القسم الخاص بملوك مصر القديمة، أتأمل مومياء رمسيس الثاني، بهاتين اليدين المرفوعتين حارب أعداءه في قادش، وبنفس اليدين لمس «الجميلة قد أتت» وعانقها وضمها بهما، فسبحان من له الدوام. «نفرتاري» يترجم الاسم بمعان مختلفة، المحبوبة التي لا مثيل لها أو أنها تشبه النجمة، تلك التي تظهر عند مطلع عام جديد «لكنني أفضل هذه الترجمة» الجميلة قد أتت، لقراءته، ولمعناه، فلم أسمع بمثل هذا الاسم في أي لغة أخرى، كما أنه يعبر عن حركة، حركة قادمة من العدم إلى الحضور الذي يمثل في شخص، إلى العدم الذي سيكون، للاسم علاقة بالتخيل، لذلك يجعلني هذا المعنى أراها قادمة، مقبلة، انها الجميلة الآتية أبدا، والحق أنني لم أعرف جمالا رائعا رقيقا، مثل ذلك الذي جسده هذا الفنان المصري الذي لم يصل إلينا اسمه للأسف، في الريف المصري اسم شائع للاناث «جمالات» ولا أدرى لماذا يخاطبني يقيني أن هذا المعنى الحرفي لاسم «نفرتاري»، جمالات لا يعني جمالا واحدا، بل كل أنواع الجمال. من فندق النور، البيت التقليدي الذي اعتدت الإقامة فيه، أبدأ رحلتي إلى أجمل ضريح اقامه عاشق لمحبوبته، أقطع الطريق مشيا، حوالي كيلو متر في الصيف أبدأ قبل شروق الشمس، بدءا من الخريف أفضل الرابعة بعد الظهر، بعد إنصراف المتطفلين والمتطلعين إلى رؤية الأجانب من كل جنس وفج، بعد ترميم المقبرة وإفتتاحها تم تحديد عدد الزائرين في اليوم حفاظا على النقوش النادرة من بخار الماء المتخلف عن الأنفاس، كما أن مدة الزيارة لا تزيد على عشر دقائق، لكن قبل أن نلج قصيدة الحب تلك لنتوقف عند شخصية المحبوبة ذاتها. أصول «الجميلة قد أتت» لا تزال غامضة، لم يحسمها علم الآثار، من والدها ؟ من أين جاءت ؟ هل تمت إلى العائلة المالكة ؟ يرجح عالم المصريات الفرنسي الأشهر كريستيان ليبلان أن الدم الملكي لم يكن يجري في عروقها، وبالتالي نتعرف عليها باعتبارها «السيدة الشريفة الأصل» أو «السيدة الشريفة الأصل إلى حد كبير»، عندما تربع رمسيس الثاني على العرش خلفا لوالده سيتي، كان له زوجتان الثانية «إيزيس - نوفرت» فلم تكن بمنزلة الأولى، وقد أنجبت ابنة مشهورة عرفت باسم «بنت عتات»، كانت «الجميلة قد أتت» لها منصب ديني إلى جانب المنصب الرفيع باعتبارها زوجة الملك، كان لها دور باعتبارها كاهنة كبيرة في معبد آمون، وفي معبد الأقصر توجد لوحة تحتفظ حتى يومنا هذا بنص جميل يدور حولها: السيدة الشريفة الأصل، صاحبة المكانة الرفيعة، سيدة الجاذبية الأسرة، الرقيقة حبا، ملكة الجنوب والشمال، ذات اليدين الطاهرتين عندما تحركان المصلصلتين لاسعاد والدها «أمون» العظيمة حبا صاحبة الوجه اللطيف، الحسنة المظهر بريشتيها العاليتين، ريشة متوحدات الـ (حورس) سيد القصر ـ تلك التي تفرح وتسعد بما يخرج من فمها، التي تقول كل شيء وفي الحال يفعله المرء من أجلها. التماثيل والرسوم الخاصة بنفرتاري عديدة وتعكس مكانتها، ويكفي أن نتذكر تماثيلها الضخمة في معبد أبو سمبل، ولكن أجمل ما أعرفه مناظر مرقدها الأبدي في وادي الملكات، وتربطني بمنظر معين فيه علاقة خاصة، أنه المشهد الذي يمثل الآلهة إيزيس تأخذ بيد «الجميلة قد أتت» في أحد مراحل رحلتها بالعالم الآخر، القامتان متساويتان، نموذجا للرشاقة ذاتها، ترتدي إيزيس ثوبا أحمر اللون، منقوشا بنقوش صغيرة، أما الجميلة فتظهر في المقبرة رداء أبيض، طويل، يشف عن قسمات جسدها النبيل، ويحيطه حزام من اللون نفسه، معقود من الأمام، لقد قمت بتنفيذ هذه اللوحة الجميلة على سجادة من الحرير كمشروع يسبق تخرجي من مدرسة الفنون التي تعلمت فيها فن صناعة السجاد وتصميمه، ولا تزال هذه السجادة معروضة في مقر وزارة التربية والتعليم، هكذا رسمت الجميلة مرتين مرة على الورق، ومرة بخيوط الحرير الدقيقة لتكتمل سجادة جميلة، تبلغ عدد عقدها في السنتيمتر الواحد أربع وستين عقدة لم أكن زرت المقبرة عندما صممت ونفذت هذه اللوحة، وعندما زرتها لأول مرة بعد ترميمها عام ثمانية وتسعين من القرن الماضي ورأيت هذه اللوحة التي عملت فيها لمدة ستة شهور كاملة،وأنا في عنفوان طاقتي، أذكر أنني توقفت مبهورا أمام الأصل الذي مازال يحتفظ بألوانه، وفكرت على الفور في ذلك الفنان المجهول، المبدع، الذي كان من أبرع الفنانين في دير المدينة، الذي وقع الاختيار عليه ليصوغ هذه القصيدة في العشق على الحجر، لم أعرف مستوى يقارب مناظر المرقد الأبدي للجميلة إلا في معبد أبيدوس الذي شيده سيتي الأول والد رمسيس الثاني، ولعل هذا الفنان المجهول تلميذ موهوب للفنان الذي زين جدران معبد أبيدوس،وربما يكون هو نفسه، فكرت أيضا في الأصل، في تلك الأنثى ذات الحضور النسيمي، الهش، وحياتها القصيرة، وموتها، ونهب مقبرتها في نهاية عصر الرعامسة نفسه، وفي اكتشافها بداية القرن الماضي والعثور عليها منهوبة وقطعة من جسدها، مجرد ركبة، ركبة يرجح علماء المصريات انها تنتمي إلى جسد الجميلة قد أتت، فيا حسرة على العباد! الفتحة المؤدية إلى الداخل تواجه الشرق، جهة شروق الشمس لا تنزل على عمق كبير من المقبرة ان رحلة الجميلة في العالم الآخر تتم من خلال مراحل، ولكل مرحلة معنى، على سبيل المثال فإن زخارف الجانب الأيسر للمدخل ترتبط بعالم قوى الأرض أو العالم القمري الليلي، أما زخارف الجانب الأيمن فترتبط بالعالم الشمسي النهاري. يلفت نظرنا السقف الذي يعبر عن السماء، السماء في الليل، سواد عميق، ترصعه نجوم ذهبية، اللون الأسود غامق مشوب بزرقة، بعكس لون الاله أندبين الأسود الصريح، أما لون الجميلة نفسها فمتفرد بين السيدات اللواتي نراهن في عصور الفن المصري القديم بدءا من الدول القديمة، وحتى الدولة الحديثة،عادة كان لون الفستان أصفر فاتحا، لكن الجميلة نراها في لون وردي، ودعا هذا بعض الباحثين إلى إرجاع ذلك إلى أصول أجنبية، لكن مصرية الجميلة قد أتت لاشك فيها، فهي من مواليد مصر العليا. من مشاهد الحياة هنا لوحة نادرة للجميلة تلاعب نفسها الضامة وهي لعبة تشبه الشطرنج، وربما تكون أصل لعبة شهيرة في صعيد مصر، اسمها: «السيجة» كما نرى مومياء الجميلة مسجاة فوق أريكة، ومن الأمور التي تثير انتباهي وضع الأيدي،سواء كان أيدي الجميلة، أو أيدي الألهة، سواء كانت الأيدي ممسكة ببعضها، عندما تسلم الجميلة أمرها إلى الآلهة التي تقودها في رحلتها الأخيرة، لا أظن أنني رأيت أيدي معبرة في الفن الإنساني من قديمه إلى حديثه مثل أيدي الجميلة والآلهة، تتشابك الأصابع رمزا لاستسلام الإنسان إلى مصيره الأبدي، ورمزا للسكينة التامة التي حلت بدخول الأبدية، ثمة أيد أخرى تمثل في ذاكرتي من خلال الأيدي المرفوعة للنائحات، النادبات في مقبرة راموزا وزير إخناتون، والموجودة على مقبرة في مقابر النبلاء بالقرنة، توحي لي يدا الجميلة بالمصير النهائي، سواء في وصفها عند تقديم القرابين، أو رفعها لأداء الصلاة، في آخر جزء من المقبرة تمسك يد الجميلة بعلامة عنخ، أي أنها اجتازت كل العقبات وأدت كافة المراسم والفروض، ومثلت أمام أو زير اله الموتى، وبالتالي اندمجت فيه، علاقة عنخ تعني أنها وصلت إلى الفناء الأتم، إلى الأبدية المنشودة، تصبح جزءا من هذا الكون اللانهائي، الذي لا ندركه بحواسنا المحددة، ان المرحلة في العالم الآخر مرئية، يشبهها كريستيان ليبلان عالم المصريات الفرنسي الشهير أنها أشبه بفيلم سينمائي يوضح هذه المراحل والعقبات، بينما نرى على الجدران نصوصا مقدسة من كتاب «الخروج إلى النهار» والتي تساعد على تخطي العقبات، التي يواجهها القادم من الحياة الدنيا الفانية، المحددة، إلى الأبدية، إلى المطلق، لنقرأ هذا النص الذي يخاطب الجميلة قد أتت، ترجمه من المصرية القديمة كريستيان ليبلان ونقله إلى العربية ماهر جويجاتي. تعالي إلي يا زوجة الملك العظيمة، يا ملكة الجنوب والشمال، «الأوزوريس» زوجة الملك العظيمة «نفرتاري» محبوبة مون، البارة، إلى جوار «أوزوريس» الآله العظيم الذي يقف على رأس الغرب، تعالي إلي فسوف أمنحك مكانا وسط الذين في الأرض المقدسه، وسوف تظهرين في السماء ممجدة، مثل أبيك «رع» بعد أن حصلت على زينتك من أغطية الرأس والتيجان فوق رأسك، ولحقت بك والدتك «أيزيس» وفي صحبتها «نفتين» انهما ينصعان كمالك مثل كمال أبيك «رع»، سوف تظهرين في السماء متألقه مثله، وسوف تنيرين العالم الآخر بأشعتك. أغادر منزل الأبدية بخطى بطيئة، عامرا بالألوان الخصبة، والاشكال البديعة ومن قبل ومن بعد مسكونا بهذا الجمال الهادئ الراسخ، الذي سعى يوما في تلك الحياة الدنيا، وابقاه الفن الجميل، إشارة ورسالة إلى الجميلة قد أتت.