مع اكتمال اجراءات قيام وزارة الأمن الداخلي في الولايات المتحدة الأميركية بعد مصادقة الكونجرس عليها، ستتحول الولايات المتحدة بشكل نهائي إلى دولة بوليسية أمنية، منغلقة وتأخذ طريقها الى الإنكماش والذوبان مثل معظم القوى العظمى. ويبدو أن الرئيس الأميركي جورج بوش قد غير معادلاته حول اختياره كوزير الأمن الداخلي الذي كان قد أشير له مراراً من قبل توم ريدج منسق شئون الأمن الداخلي في البيت الأبيض، وقرر تعيين وزير الدفاع الحالي دونالد رامسفيلد كما ذكرت صحيفة عربية نقلاً عن صحيفة «ذي هيل» الأميركية المختصة بمتابعة شئون الكونجرس يوم الجمعة الماضي، على أن يخلف رامسفيلد في وزارة الدفاع نائبه اليميني الصهيوني المتطرف بول وولفوتيز، لتصبح الولايات المتحدة بذلك تدار بشكل رسمي من قبل أبرز الصهاينة في البلاد، حيث يكتمل المثلث بوزير العدل جون اشكروفت الذي وصفه عضو الكونجرس السابق بول فندلي بأنه اكثر الصهاينة تطرفاً في الإدارة الحالية. وكانت صحيفة «تايمز» البريطانية قد أشارت في مقال لها نشرته «الوطن» القطرية يوم السبت الماضي، ان ادارة بوش تعتزم تجنيد أحد عشر مليون أميركي للعمل كجواسيس ومخبرين محليين، لرصد كافة التحركات التي يقوم بها المواطنون الاميركيون داخل بلادهم، وهؤلاء سوف يتبعون وزارة العدل، وسوف يرصدون نشاط سائقي الشاحنات وعمال البريد والعاملين في القطارات واجهزة التحكم بالسفن والفنيين العاملين في خدمات الغاز والطاقة الكهربائية، ويمثل عدد هؤلاء المخبرين حوالي 4% من اعداد الشعب الأميركي، اي أن كل 25 أميركياً سوف يتولاهم مخبر يرصد حركتهم ويعد عليهم انفاسهم هذا في بلد الحريات المدنية والشعارات الزائفة المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الانسان. ويلاحظ القاريء انه منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر اختفى بريق وزير الخارجية الأميركي الذي كان من خلال موقعه اشهر من الرئيس عالمياً، واصبح العالم يعرف وزير الدفاع ووزير العدل وتحركاتهما اكثر منه، كما اصبح رئيس المخابرات المركزية الأميركية يجوب العالم ربما اكثر من وزير الخارجية، وكل هذه صور من تحولات الدولة البوليسية، حيث يعاني وزير الخارجية كولن باول من صراعات كبيرة داخل الادارة جعلت الصحف الأميركية تروي قصصا شبه يومية عن هذا الصراع وابعاده، وكيف انه كما ذكرت «نيويورك تايمز» يوم الجمعة الماضي يمكن ان يؤدي الى دفع باول الى الاستقالة وعدم اكمال مدة الاربع سنوات المصاحبة لفترة الرئيس. والنظام البوليسي الذي بدأته الولايات المتحدة بدأت آثاره تظهر في معظم الجوانب، فمن ناحية عمل وزارة الخارجية نفسها وقنصلياتها في الخارج ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية في عددها الصادر في 22 يوليو الحالي ان «لجنة من اعضاء مجلس النواب الأميركي بدأت وضع قانون للأمن الداخلي قد ينتزع صلاحيات وزارة الخارجية الأميركية في منح تأشيرات الدخول لغير الأميركيين». وقد اعترض وزير الخارجية الأميركي على ذلك وقال: «إن منح التأشيرات مسألة تخص السياسة الخارجية». وبغض النظر عن هذا الخلاف ما الذي سيجبر عشرات الملايين ممن يدخلون الولايات المتحدة كل عام على أن يجلسوا امام ضابط استخبارات لاستجوابهم حتى يمنحهم تأشيرة دخول ثم يتعرضون للإهانات في مطارات أميركا وقد يمنعون من الدخول. انها خطوة نحو الانغلاق، لذا فقد نصح الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية السعودي رعايا بلاده بتجنب السفر إلى الولايات المتحدة هذا الصيف بسبب تعقيد اجراءات السفر وتشديد قيود الأمن، وقد أصبح الآن على رعايا الدول العربية انتظار ستة أسابيع حتى يمنحوا التأشيرة للولايات المتحدة، وهذا سيدفع الكثيرين الى البحث عن بدائل، وقد بدأها رجال الأعمال والمستثمرون من انحاء العالم حينما اداروا ظهورهم لأميركا وضاعفوا استثماراتهم في أوروبا واليابان، فانتعش اليورو والين وانخفض الدولار تصاحبه عملية انهيار كبرى في الشركات الأميركية العملاقة وصلت الى حد توقع بعض المراقبين انها باتت تهدد ادارة بوش التي اصبحت تتخبط في سياساتها بشكل عام، لكن أخطر شيء أنها بدأت تمس حرية المواطن الأميركي نفسه الذي نشأ في أجواء وشعارات الحرية الفردية، لكنه بات الآن أسيراً لنظام الدولة البوليسية. ويبدو أن الأميركيين سوف يحسدوننا نحن في النهاية على ما نعيش فيه من قيود، وستنقلب الآية وتنشأ جمعيات حقوق مدنية في بلادنا لتطالب بمزيد من الحرية وحقوق الإنسان.. للأميركان؟! ـ كاتب واعلامي مصري