من التقارير الاستخبارية الاسرائيلية التي تعنى بها حكومة أرييل شارون حاليا تقرير يشير الى أن «تصاعد الاشتباكات الفلسطينية الاسرائيلية، أدى الى أصداء غير حميدة في المجالين الأوروبي والأميركي بالنسبة لليهود.. فالفترة الأخيرة شهدت مزيدا من البغضاء تجاه العرب والمسلمين. لكن اليهود يتعرضون أيضا لحملة من الكراهية.. ثم ان هناك احتكاكات وتوترات بين القطاعات العربية والمسلمة من جهة واليهودية من جهة أخرى». ونظرا لانشغاله الشديد بقضية هجرة يهود أوروبا والأميركيين وروسيا الى المستوطن الصهيوني، فان شارون يتخذ من هذا التقرير ومثله متكأً لخطابه التحريضي حول هذه القضية. وهو لا يترك مناسبة يتوسم فيها قدرة على اقناع اليهود في هذه الأنحاء بالهجرة ومغادرة أوطانهم بزعم المخاطر المحيطة بهم هناك، الا استغلها. ويحظى شارون في اطار هذا المسعى بمساندة الآلة الاعلامية الصهيونية الجبارة، التي تجعل من كل حدث عابر يكون أحد اليهود طرفا فيه دليلا قويا على تلصص «اللا سامية» ، ثم تصور اسرائيل على أنها المكان الوحيد في هذا العالم الذي يصون الهوية اليهودية ويحفظ لليهود أرواحهم وأموالهم وكرامتهم.. الخ. يأمل شارون وأركان حكومته من غلاة الصهاينة الارهابيين في استقبال مليون مهاجر يهودي خلال عشر سنوات على الأكثر ويتغذى هذا الأمل ( المخطط ) ويكبر بفعل المصائب التي تثور أمام يهود العالم. واذا لم تثر هذه المصائب من تلقاء تفاعلات تلقائية، فان الدوائر الصهيونية الاسرائيلية تتكفل بصناعتها. ولأن المهاجرين ( الغزاة ) يحتاجون الى مجال جغرافي واقتصادي مضاف، فان هذه الدوائر تضطلع تحت قيادة شارون بتوفير هذا المجال. ذلك بالتوسع الاستيطاني في فلسطين المحتلة ( والجولان ) وتهيئة بيئة طاردة للسكان الأصليين عبر آليات القمع والحصار والتجويع وامتصاص الموارد والترحيل.. والقتل بذرائع لا يعز ابتكارها. لكن هذه المعادلة تواجه عاملا أو مدخلا ينغص سيرورتها ويؤول بها الى الفشل، هو المقاومة الفلسطينية، الشق المسلح والاستشهادي منها بالذات، فهذه المقاومة ترش ملحا على جرح خطاب الهجرة الصهيوني المتعلق بادعاء أن اسرائيل تمثل الملاذ الأكثر أمنا ليهود العالم. انها تبرز التناقض الصارخ بين حال اليهودي المستوطن في اسرائيل وبين هذا الادعاء ويترتب على ذلك أن تصبح الجاليات اليهودية عازفة عن الخروج من أوطان تلقى فيها خطرا مزعوما، أو مفتعلا، الى كيان استيطاني ينتظرها فيه خطر يقيني مؤكد. ان افساد المقاومة لخط المعادلة الصهيونية الاسرائيلية الخاصة بالهجرة والاستيطان والأمن، سبب كاف لاستعار غضب شارون وزمرته الحاكمة، وهو الذي يظن في نفسه القدرة الاستثناء على تجديد دماء الصهيونية في صورتها الأولى وأساسها الصلة العضوية بين «الشعب اليهودي وأرض الميعاد.. اسرائيل الكبرى».. ولكي يعزل شارون تأثير «فيروس» المقاومة عن مسار معادلته الاستعمارية، فانه يمارس أقسى صنوف الارهاب ضد الشعب الفلسطيني.. غير أن. هذا الشعب، لسوء حظ شارون والذين معه، يبدي صلابة في مواجهة التحدي، بما من شأنه تعزيز قضية غياب الأمن عن المستوطنين الصهاينة القدامي من ناحية، وتعميق هواجس اليهود المغررين بوعد الأمن في الخارج من ناحية ثانية. وتقول الخبرات ان الدوائر الصهيونية المعنية بتشجيع الهجرة الاستيطانية تحترف تأجيج الفتن من حول الجاليات اليهودية التي تضعها على اجندتها. الأمر الذي يحث بعض اليهود الذين يقعون ضحية لهذه الآلية الجهنمية على التفكير في الانتقال الى اسرائيل، بحثا عن اشباع حاجتهم للأمن، غير أن أنماط المقاومة الفلسطينية تجبرهم على التردد في تنفيذ قرار الهجرة، وفي غمرة انتفاضة الأقصى اضطر كثيرون منهم الى العدول عن هذا القرار كليا. لكن الدوائر الصهيونية لا تكف عن ألاعيبها الهادفة الى استفزاز نوازع الخوف من المستقبل أمام هؤلاء، بما يوقعهم فريسة مشاعر شديدة التناقض. تكدر حياتهم.. فالصهيونية تنذرهم وتحذرهم من بيئة أصلية تنمو فيها ما تعرف زعما بظاهرة اللاسامية، وتعمل جهدها لنزعهم من مواطنهم الى مستودعها الاستيطاني. والمقاومة الفلسطينية تتوعدهم بحياة لا أمن فيها ولا نماء في ذلك المستودع.