ليس من قبيل التلطي خلف ذكريات الماضي، واللوذ بإساره بحثاً عن إطلالة نور أو أمل وهمي، فقد شكلت ثورة يوليو في تاريخ أمتنا علامة بارزة يصعب دفنها في زاوية مظلمة من زوايا ذاكرة الأمة، لأنها كانت ولا تزال تشكل حلماً عربيا متجدداً، تتوق إليه الأفئدة قبل العقول لما شكلته من نقلة نوعية قل نظيرها في تاريخنا العربي المعاصر، بصرف النظر عن الأيديولوجيات والشعارات والانتقادات أو حتى الهفوات. ولعل أهمية استذكار المناسبة، قبل التلطي خلف جدران الماضي، تأتي إيذاناً بطرق ناقوس الخطر تنبيهاً لما تتعرض إليه الأمة من أخطار خارجية لم تشهد مثيلها من قبل، في هوائها ومائها وترابها وتراثها، أعني أن الذكرى تمر هذه الأيام على العرب وهم بأشد الحاجة إلى وضع النقاط على الحروف، في مرحلة تطالعنا قوى الهيمنة في كل صباح بسيناريوهات التفتيت والتبديد والتقسيم، لدرجة وصلنا معها وكأننا كالأيتام على موائد اللئام، حكاماً ومحكومين على حد سواء. وقد يكون من المفيد، في هذه الحالات التي تعترينا فيها الأخطار من كل صوب وحدب، إيقاظ ذاكرتنا الجمعية باعتبارها الإناء الأوسع والأشمل والأعم، من الذاكرة الفردية التي غالباً ما تبحث عن أحلام لا تتعدى أحلام العصافير أو ما يزيد قليلا. فقد أصبح مطلوباً أكثر من أي وقت مضى، التفكير الجاد والمسئول من قبل الأنظمة العربية قبل شعوبها، بهدف خلق منظومة أمنية عربية تخفف على أقل تقدير من آثار العدوانات التي تمارس ضد الأمة في كل بقعة من بقاع الوطن دون استثناء، بداية من جزيرة ليلى ومدينتي سبته ومليلة مروراً بالخليج العربي وفلسطين وانتهاء بمزارع شبعا اللبنانية. لكن بالمقابل، وبكل موضوعية، أن بناء مثل هذه المنظومة الأمنية يحتاج إلى جملة من المتطلبات والشروط التي تؤسس لبناء مثل هذه المنظومة، وهي تتلخص بالتالي: أولاً: ضرورة الإقلاع عن أخلاقية وقيم التماثل القطري - القطري، بعد أن ثبت فشل هذه القيم بجدارة ليس لها مثيل في تاريخنا العربي، والعودة إلى مفهوم العلاقات والقيم التكاملية التي أثبت، أنها وحدها الكفيلة بتقديم منظومة عربية متعددة الأهداف السامية والمنافع المتبادلة، بعيداً عن الإلغاء أو الشطب الذي يتخوف منه البعض، والتي تندرج تحت حجج واهية مثل القوي والضعيف والكبير والصغير بمعنى أن تبنى التكاملية على أساس من الاحترام بين كل الأطراف بمعزل عن الجغرافيا والديموغرافيا. لكن شرط تحقق ذلك يكمن في توفر الإرادة المشتركة رسمياً وشعبياً من جهة، والتقيد بثوابت وقوانين تعاقدية تنص على مصلحة أطراف المعادلة أولاً وقبل أي شيء من جهة أخرى. بالإضافة إلى ضرورة الإقلاع عن ما يسمى بحسن الجوار والخضوع إلى إلزامية المصلحة المشتركة التي تحكم علاقة الجوار القائمة على أساس من المشيئة المشتركة أيضاً كناظم من نواظم العلاقة. ثانياً: فالشرط الأول، لا يمكن تحقيقه هرمياً وبشكل متوازن ومتواز، إلا من خلال إباحة الحريات الفردية والجماعية عند الشعب أو الشعوب، كما يحلو للبعض إطلاق مثل هذه التسمية، بهدف فتح المجال للخيارات الحرة باعتبارها الضمانة الوحيدة في إرساء وإنجاح هذه المنظومات، انطلاقاً من اعتبارها خياراً جماعياً وليس سلطوياً وحسب، ولعل التجارب العربية والأمثلة صارخة في هذا الجانب، فكل الوحدات والاتحادات وما إلى ذلك من أنماط التقارب قد أصبحت في ذمة الماضي، والسبب أن كل هذه الحركات كانت تقوم بمعزل عن الإرادة الشعبية، لتنتهي بعد ذلك عند أول خلاف سلطوي .أعني حان الوقت للالتفات إلى مطالب الشعوب قبل الأنظمة باعتبارها الضمانة الوحيدة ليس للحفاظ على مصالحها وحسب، بل ولحفاظها على هويتها وقدرتها الهائلة في الدفاع عن مستقبل أبنائها .أي أن نجاح مثل هذه التوجهات تحتاج إلى إرساء هرمية العلاقة داخلياً بين الحاكم والمحكوم أولاً، ومن ثم تنتقل ذات العلاقة محورياً في إطار الجوار المتآخي، الأمر الذي يؤدي إلى خلق مناخات صحية سعياً للوصول لنتائج إيجابية قد تكون أكبر من المتخيل في كثير من الأحيان. هذا السلوك هو ذاته الكفيل بفض فتائل الصراعات المذهبية والطائفية والاثنية وحتى الحزبية القائمة على أساس من القيم الأيديولوجية، دينية كانت أم علمانية، قومية أو أممية، والذي سيؤسس ـ السلوك ـ للحد من التدخلات الدولية والإتاوات المفروضة على النظام القطري العربي، كل على حدة، فالأمثلة هذه الأيام تدمي القلب قبل العين، ولا داعي لتعدادها وهي كثيرة يكاد لا يسلم منها قطر عربي واحد، بداية من التهديد بالقسمة وانتهاء بالاقتلاع والشطب. ثالثاً: ضرورة الابتعاد عن تربية الأجيال المتلاحقة على روح النفعية المحضة، رغم حاجتنا الجزئية لها في ظل المتغيرات الكونية، التي تؤسس إلى ضرب علاقة الإنسان في وطنه، بحيث يختزل الوطن في المدينة أوالحي أو إذا شئت في المكتب والسيارة باعتبار ذلك الوطن النهائي له. بحيث تصبح الوطنية والقومية والوحدة مجرد شعار مفرغ لا قيمة له، حتى الدفاع عن الوطن في لحظة وقوع المخاطر الكبرى التي تتهدد وحدته واستقلاله، تصبح تهوراً ليس إلا. هذا الأمر يفرض علينا جميعاً العودة الجادة للتفكير في برامجنا التربوية والإعلامية التي تؤسس إلى ديمومة التأكيد على المواطنة ليس القطرية بل المواطنة القومية، ورفض كل مخلفات الماضي بعيداً عن الصراعات التقليدية التي أجهضت فيما مضى الكثير من التجارب كما أسلفنا. لكن السؤال المحير، هل سنستفيد من كل التجارب والعبر، أم أننا سنبقى على تسويفنا وانتظارنا لنصل إلى مرحلة لا ينفع فيها الندم؟ ـ كاتب فلسطيني