نشر في الفترة الاخيرة كتاب يروي قصة عبدالكريم قاسم، مستعرضا طائفة من اسرار «الثورة» العراقية في يوليو سنة 1958، شامل عبدالقادر هو مؤلف الكتاب الذي نشر في العاصمة الاردنية عمان، ويتضمن قدرا معقولا من الوصف الموثق لاحداث تلك الايام البعيدة، ولعل القاريء يستنتج بعد قراءة هذا الكتاب طبيعة الجذور السياسية والنفسية التي اوصلت «الثورة» العراقية الى ما وصلت اليه من اقتتال وتصفيات وملاحقات، استمرت حتى يومنا هذا ففي العقود الاربعة الماضية احتدم صراع غير مقنن ولا مقيد بسقف سياسي او اخلاقي، ازاح فيه البعض البعض الاخر طلبا للسلطة، ورغبة فيها وتشبثا بها، وربما كانت نتائج هذا الصراع هي التي تقرر لنا دروس المستقبل. يمكن ملاحظة عدد من الاحداث المهمة في مسيرة الاشهر الاولى من الثورة العراقية، اصبحت الان محل تفكير وتحليل، وهي احداث تدعو الى التأمل من اجل استخلاص الدروس، والنظر الى المستقبل القريب للعراق، نلخص بعضها في الاتي: تجارب مرة اولا: ان تجربة حلقات «الضباط الاحرار» في الجيش العراقي، التي يبدو ان بعضها بدأ في اوائل الخمسينيات من القرن الماضي في نطاق ضيق، لم يكن نشاطها يتجاوز أحاديث الانزعاج من الوضع القائم، الا ان التنظيم تطور في منتصف ذلك العقد، ليتخذ ملامح مطابقة لتجربة «الضباط الاحرار» في مصر، ولكن بشكل مشوه وعدم الفاعلية، كما يروي الكتاب. وكان هناك كثير من الخلافات والنكوص عن التوافق بين بعض الضباط الذين قرروا تغيير النظام القائم. لقد كان هناك تململ في الشارع العراقي حيال سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة في عقد الخمسينيات، كما ان الاحزاب المختلفة التي سمح لها الوصي بعد الحرب العالمية الثانية بالعمل، وكان لها مآخذ على الحكم، نشطت في اشاعة التململ، ولكن هذا التململ وذاك النشاط ظلا محصورين في بعض العسكريين، وكان معظم السياسيين يطمحون فقط الى تقاسم قطعة الجبن، ويتطلعون للوصول الى المناصب العليا، وتحقيق مزيد من المصلحة المالية والنفوذ السياسي، اما العسكريون الكبار فقد كانوا مقربين من الحكام والسياسيين الذين طلبوا ودهم، الى درجة ان رئيس الوزراء وقتها نوري السعيد لم يكن يصدق التقارير التي تصله من الاجهزة، حيث اتهمت بعض التقارير عبدالكريم قاسم نفسه بالتآمر، وحين استدعاه رئيس الوزراء واستجوابه، انكر قاسم التهمة، ونفى علمه بها، وبرر الاشاعة بأنها تهدف الى التفريق بينه وبين حاميه الباشا، ثم طلب الكثير من الاسمنت لتبليط المعسكر الذي تحت امرته، من اجل الاعداد لزيارة الباشا، حتى لا يثور الغبار في وجهه. ويذكر شاهد عيان ان الباشا «نوري سعيد» بدا مسرورا باللفتة الأخيرة التي اعقبها قاسم بتقبيل يده مستأذنا في الخروج! ثانيا: في ليلة الثورة كان قلة من الجنود لديهم ذخيرة، وعندما ذهبت السرايا الثلاث، التي اعتمدت عليها في تنفيذ الانقلاب، وكان ينقصها الرجال والعتاد بالقدر الذي يعينها على القيام بالمهام الموكولة اليها في ثلاث مناطق استراتيجية، الاذاعة، وقصر نوري السعيد، وقصر الملك (الرحاب)، كان السرية التي ذهبت الى قصر الرحاب تضم عددا قليلا من الجنود (85 جنديا محدودي التسليح)، في حين كان الحرس الملكي الذي يحرس القصر يتكون من ثلاث سرايا كاملة (السرية قوامها 150 جنديا). وبعد المناوشات الاولى في فجر صباح ذلك اليوم «14 يوليو» تراجعت السرية المهاجمة قليلة العدد، لكن المصادفة وحدها هي التي جعلت الحصار يستمر، فقد سمع طلاب مدرسة المشاة القريبة من القصر اخبار الانقلاب من الاذاعة، كما سمعوا صوت الرصاص، فقرروا مهاجمة القصر مع المهاجمين، وهكذا تحمس عبدالستار العبوسي مدرب السلاح في مدرسة المشاة، وقد استعان بمدفع هاون من المدرسة، وهو الذي قصف قصر الرحاب بقذيفتين، فقرر من في الداخل الاستسلام مقابل ان يخرجوا آمنين، وبينما اخذ ساكنو القصر (الأسرة المالكة وخدمها وبعض ضباط الحرس الملكي) طريقهم للاستسلام فتح العبوسي عليهم جميعا النار، فقتل ولي العهد الامير عبدالاله والملك ومن معه ـ يقول الكاتب ان «عبدالستار العبوسي انتحر فيما بعد (سنة 1970) بعد ان عانى آلاما نفسية، وقد صرح لأحد الضباط ذات مرة بقوله: انا سبب نكبة العراق، وكل ما أصاب العراق من جراء تموز أنا مسئول عنه!». ثالثا: ان الباشا نوري السعيد، الذي احاط بعض الجنود بقصره ليلة الانقلاب، لم يكن يعرف ـ برغم كل الاجهزة التي بين يديه ـ ما يدور حوله، والذي انقذه لبعض الوقت هو عمشة الخبازة (!)، فقد كان الباشا يجب ان يتناول ارغفة الخبز الطازجة صباحا، وعندما قدمت عمشة الخبازة الى القصر الذي بناه له المقاول اللبناني اميل البستاني على ضفاف نهر دجلة، وجدت الجنود يختبئون بين الاشجار الكثيفة المحيطة بالقصر، فأيقظت الباشا من النوم وروت له ما شاهدت في الجوار، فقام من سريره هاربا عن طريق النهر، وكان دليل السرية التي قامت بالهجوم، وهو وصفي طاهر المرافق الاقدم للباشا (!) وقد هرب الاخير بتسلله الى النهر، ولكن القصة لم تطل، فقد قتل بعد اقل من اربع وعشرين ساعة، عندما اكتشفه احد الجنود في حي من احياء بغداد، حيث لم يكن الباشا يجيد التزيي بزي النساء. استيعاب الدروس قراءة انقلاب 14 يوليو في العراق وما تلاه من احداث تعطي المتابع للتاريخ مجموعة من الدروس، منها انه لم يكن للضباط الذين قاموا بالانقلاب برنامج يسعون الى تنفيذه، بل كان كل ما يجمعهم هو عدم الرضا عن الواقع، والتململ من الوضع القائم، من دون أن تكون هناك خطة للتغيير او استراتيجية للاصلاح، ومن ثم فان ملامح المستقبل عندهم كانت غائمة، واما ما يراد للعراق بعد ذلك فقد كان في مهب الريح، رغم ان الجيش العراقي هو الذي «علم» الآخرين الانقلابات في الشرق العربي منذ بكر صدقي 1936، مرورا بصلاح الدين الصباغ 1942، الا انها كانت انقلابات ذات ملامح شخصية. وما يلحظه القارئ في أكثر من انقلاب عراقي هو الاعتماد على اثارة العامة من الناس، اي حشد الشارع غوغائيا ضد الوضع القائم، وقد حدث ذلك في 1958، وتكرر بعدها في 1963، فالتوجه الى الشارع بعد البيان الاول كان دائما هو السمة الواضحة في تثبيت الانقلابات، اما الامر المحزن، بل المقزز، فهو رفض عبدالكريم قاسم دفن الموتى من العائلة الحاكمة في قبر معروف (حتى لا يصبح مزارا) وهو ما تكرر بدقة بالغة، عندما رفض الانقلابيون في 63 ان يدفن الزعيم في قبر معروف، بعد ان اعدم في «غرفة الموسيقى في الاذاعة»، وكانت الحجة نفسها تقف وراء هذه الجريمة. لقد ساهمت الاحزاب ـ في ضوء تكالبها على المشاركة في السلطة ـ في تقويض الاندفاع الى حكم مدني او ارساء ديمقراطية من نوع ما، فشاركت في ترسيخ الحكم الديكتاتوري، ثم دفعت الثمن غاليا بعد ذلك، فقد عمدت في تصفية الآخرين، ثم عندما جاء الدور عليها لم تجد لها مناصراً! لقد حاكم عبدالكريم قاسم سنة 58 بعض الضباط في الجيش العراقي بتهمة «التآمر» على سوريا، وبعد ذلك بعشرين عاما تقريبا حوكم آخرون بتهمة «التعاون» مع سوريا، وفي المرتين اعدم اولئك وهؤلاء، في صورة اقرب الى العبث. حكم عبدالكريم قاسم فترة 1666 يوما، نزف فيها الشعب العراقي دماء غزيرة وفقد ارواحا لا تحصى، ولكن من جاء بعده كان افظع واكثر هولا، والفارق انه بينما استخدم الانقلابيون في 58 البنادق والدبابات، لجأ نظراؤهم الانقلابيون في 63 الى القصف بالطائرات. اعمال المقصلة والرمي بالرصاص كانا في الاكثر الاعم هما الوسيلتين اللتين سادتا العمل السياسي في العراق في العقود الاربعة الماضية، ومن اشترك في هذه التصفيات واجه مصيرا مرا بعد ذلك، حيث صفي البعض وهرب البعض الاخر الى خارج البلاد. لقد بدأ استقلال العراق بترسيم حدوده الشمالية «العراقية ـ التركية» بقرار من عصبة الامم (16 يناير 1925) وانتهى في التسعينيات بترسيم حدوده الجنوبية من قبل الامم المتحدة بعد ان خاض حروبا عبثية، واضاع فرصا وبدد بشرا ـ يقول الكتاب ان «الثورة خرجت منتصرة على العهد الملكي مهزومة على ايدي منفذيها»، ولكن ذلك علم من أتى بعدها الاصرار على نهج تصفية المخالفين، حتى اصبح المجتمع العراقي مشوها سياسيا، يفتقر مواطنوه الى الحد الادنى من الامن والمبادرة! لذلك فان مرحلة التغيير القادمة في العراق هي مرحلة صعبة، لعل أول برامجها هو كيفية تهيئة ارضية جديدة يمكنها تحقيق التعايش بين مختلف طوائف المجتمع العراقي، لان الدرس الواضح الذي ينبغي ان يكون الجميع قد خبروه هو ان من صفى غيره امس، سوف يصفى غدا، في عجلة جهنمية من العنف لا تكف عن الدوران. تلك بعض الدروس المستفادة، فهل هناك من يقرأ التاريخ ويتعظ بأحداثه؟ ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت