انهينا حديث البارحة بالاشارة الى ما يحتاجه الناس من النخب المثقفة القادرة على الاجابة عدة تساؤلات الافراد حول قضاياهم الخاصة، واليوم نتطرق الى موضوع الزواج كشاهد على تلك الحاجة. فهذا الموضوع على قيمته وحساسيته يعاني في الفترة الراهنة من جهل شديد بابجدياته، واهدافه الاجتماعية. ولعل من اوضح المظاهر الدالة على ذلك الجهل المركب، وتلك الهالة الضبابية التي تحيط بخيال الشباب من الجنسين في موضوع كهذا، صور الاحتفاء الشديد بمظاهر الخطوبة التي تسبق الزواج، والمبالغة في اشهار السرور عن طريق التقاليع الغريبة التي غدت مظهراً احتفاليا لصيقا بهذه المناسبة، مروراً بعقد القران، وانتهاء بليلة الزفاف!! هذه التوالية العجيبة لطقوس الزواج هي اكبر اشارة على سوء فهم اهداف بناء الاسرة، بل ازعم ان هذه المراسم والاشكال الاحتفالية هي اول معول يهدم في كيان الاسرة القادمة. واذا انتقلنا الى اللحظة التي تذهب فيها السكرة وتأتي فيها الفكرة فان الديون المتراكمة تبدأ في التصدر على قائمة المطالب العاجلة التي يراد التصدي لها، والحسم في التعامل معها كاول ضريبة من ضرائب ذلك الزواج الميمون!! ولان المرأة ـ هذه الايام ـ غدت شريكا فعليا ـ في كثير من الاحيان ـ في دفع فاتورة احياء الف ليلة وليلة التي ظهرت فيها بأبهى الحلل واثمنها واكثرها قدرة على الابهار والاستحواذ على الانظار فان الاوراق تبدأ في التكشف والظهور لتنزوي المرأة بعد فترة من الزواج تبدأ في حساب الارباح السريعة والخسائر الباهظة التي المت بها!! فالارباح السريعة يبدو انها لا تتجاوز الاقتران برجل لا يعرف شيئاً عن كيفية ادارة علاقاته بأسرته الناشئة، ولا يعرف كيف يؤدي ما عليه من واجبات ومسئوليات ناهيك عن جهله بطرق التعامل مع الخلاف، وكيفية ادارة المشاكل الزوجية، وجملة من المطالب الاخرى التي تتضمن هذا المعنى العميق الذي لا يقف عند شكل الرجل، ولونه، وملامحه، ويتجاوز ايضاً مؤهلاته العلمية لينفذ الى ما هو ابعد من ذلك، ويغوص في تفاصيل الخارطة النفسية، والمعارف المتصلة بالجانب الانساني الذي به يصبح الرجل شريكاً قادراً على اسعاد زوجته وابنائه. اما واقع المرأة وامكاناتها في الجانب المرتبط بأهليتها واستعدادها لاستيعاب الرجل، وامتلاكها القدرة على ادارة بيتها والعناية بمسئولياتها التي غدت اكبر بكثير من السابق فذلك شيء تجهله الكثير من النساء!! لقد انفض السامر اذن، وانتهى الاحتفال البهيج، وغدا الاثنان وجها لوجه امام ما هو آتٍ من حياة لها مطالبها الجادة التي تتجاوز البهرجة والاشكال، وتحتاج الى عقل متفتح، وذهن يقظ، ونفسية متفائلة بالغد، وقادرة على امتصاص المشاكل، وتحقيق قدر من التجانس والتكامل في منظومة العمل الاسري على نحو يضاعف من النجاحات، ويسمح بتدفق الافكار الايجابية، وانسيابها في نفوس افراد الاسرة، مع الشعور المرتفع بالرضا عن الذات. هذه السلسلة من المطالب الحيوية لانجاح مؤسسة الاسرة ليست ضربا من الحظ كما قد يتصور البعض. وهي ليست افتراضات خيالية صعبة التحقيق يحلو للعاجزين والهاربين من نفوسهم ان يصفوها بعد ان يحيق بحياتهم العائلية الفشل الذريع. وتسويق احكام عارية من الصحة مثل القول إن التعاسة قدر محض، كما ان السعادة ضربة حظ تأتي عشوائياً لمن يبتسم لهم الزمن على غرار اولئك الذين يربحون المليون بعد شرائهم بقسائم مالية من فئة الخمسين درهماً يعتبر خللاً كبيراً وارتباكاً في فهم الامور على نحو مرفوض. فالمسألة على وجهها الطبيعي ترتبط بقانون واضح خلاصته ان من يحسن ادارة مسئولياته، والالتزام بما هو مطلوب منه تجاه عائلته، ويستعد لدفع فاتورة الارتباط بأسرة فانه ينال السعادة ويدرك النجاح دون جدال. اما من يصر على ركوب مركب الهوى، ويتمحور حول نفسه، ويرفض ان يتنازل عن آرائه الخاصة تحت اي مبرر او سبب، ويختار اقصاء شريكه من اي دور فعلي في الحياة العائلية، رغم ان هذه المؤسسة الاجتماعية مبنية على الشراكة الثنائية وليست على الزعامة المطلقة فان مركبه حتما سيغرق. انها سنن الحياة ومن عجز عن استيعابها فليتحمل وحده النتائج.