لأنني ممن ادركتهم ـ كما يقولون ـ حرفة الكلمة، فقد قدموه لي في كافيتريا (الشعب) بمقر الأمم المتحدة في نيويورك والكافيتريا اسم المحجي، كما لا يخفى عليك وقد دخل حياتنا ولغتنا الى حيث شاع وانتشر بل أوغل واستشرى الى حد أن أصبحت القرى النائية والنجوع المنسية في بلادنا ترفع لافتة مقهى أو (قهوة) لتحل محلها ـ ولو بخط ركيك ـ لافتة كافيتريا عويس حتى لا تقول كافيه دي سمالوط أو شطانوف الى اخر الاسماء العجيبة الموروثة للقرى والدساكر في بر مصر. وبالمناسبة فكافيتريا الأمم المتحدة تسمى في قاموس مصطلحاتها باسم المقصف وهو تعبير يعربي واعر كما ترى ولكن ما من أحد استخدمه يوما وما من موظف أو خبير من أهل ربوعنا السعيدة جرؤ في مناسبة ما على أن يدعوك الى وجبة غذاء في المقصف أو حتى الى حسوة شاي مصبوب في قدح من ورق.. في زاوية من زوايا المقصف المذكور الذي يحمل ـ كما ألمحنا ـ صفة (الشعب) لانه يقوم على أساس اخدم نفسك، حيث تبدأ الطقوس بتناول صينية من بلاستيك أصفر أو بني واحيانا من ورق مقوى اقرب الى غبرة السواد (ولا بأس فالمادة الورقية جاءت اليك بفضل عمليات اعادة التدوير الصديقة للبيئة) ثم تختار ما يروق لك ـ بالتحديد ما يروق لجيبك ـ من صنوف الأطعمة أو الأشربة سابقة التجهيز وبعدها تقف في طابور الدافعين امام الكاشيرات وهن فتيات لا ندري لم اختاروهن اما من الاسيويات أو من أميركا اللاتينية (الهسبانيات) وتكاد كل واحدة منهن تشفق على نفسها ووقتها حين تقف امامها مجاميع من الزبائن اليعاربة اذ هي موقنة بأن زبائنها من أهل العروبة الميامين سوف يتشاجرون الى حد الاقتتال في رأيها حول أيهم يفوز بشرف ان يدفع ثمن وجبات الصواني ـ الزهيدة اصلا ـ نيابة عن الجميع. ورغم ان الأمم المتحدة ترفع شعارات المساواة والتكافؤ بين بني الانسان ـ فقد عمدت الى تصنيف مقاصفها ومطاعمها الى مراتب ومستويات طبيعية يبدأ ادناها من كافيتريا الشعب اياها ثم ترتفع المستويات الى مطعم الطابق الرابع (ستاف كافيه) الذي يكتسي طابعا برجوازيا حيث يقوم على الخدمة عدد من النوادل (الجرسونات) تشاء المصادفة ان يكون معظمهم مسلمين ـ ثم انت تجد عند قمة هرم المطاعم ـ المقاصف الطبقي مقصفا يحمل اسما تقول ترجمته انه (قاعة طعام المندوبين) ويقصد به مطعم أصحاب السعادة والمعالي سفراء الدول وممثليها الموقرين لدى الأمم المتحدة بالاضافة طبعا الى ضيوفهم ومدعويهم وثمة لمسة ارستقراطية يتسم بها صاحب السعادة ـ الاكسلانس ـ المطعم المذكور: اناقة العاملين فيها من شباب وفتيات ـ لاسيما النوع الأخير ـ لزوم الحجز المسبق وتسجيل الاسم الكريم في دفتر العملاء.. اطلالة المكان على موقع متميز من نهر الايست الذي يحف بمقر الأمم المتحدة في وسط جزيرة مانهاتن.. موائد البوفيه المفتوح والمنصوب في قلب المكان وميزته انه يسعى من ناحية الى ارضاء الأذواق والطعوم المنتمية الى ثقافات العالم المختلفة في الشرق والغرب، وهو من ناحية اخرى ينظم مواسم وفعاليات أقرب الى الاحتفاليات الطعامية حيث يعلن يوميا عن مهرجان الطعام المغربي حيث يسود الكسكسي.. والباستيلا أو مهرجان الطعام المكسيكي حيث يسود خبز الذرة الرقيق المحمر وقطع الفاختيا من الدجاج الذي يقدم متبلا وملتهبا.. أو مهرجان الطعام الياباني الذي نحرص على تحاشيه والتغيب عنه فكل شيء يقدم نيئا أو يكاد يكون ناهيك عن المهرجان الايسلندي حيث يحوطك السمك من كل حدب وصوب.. سمك في السلطات (بفتح اللام) والمقبلات والمشويات والمقليات وفي أصناف الحساء وربما في ألوان الحلوى. بعيدا عن هذه الأبهة التقينا ـ كما اسلفنا ـ في كافيتريا الشعب ـ كان شابا في منتصف العمر مهاجرا من مصر إلى أميركا ـ نزل ضيفا على واحد من زملائنا وحين لمحني منكبا ـ كما أتصور على احدى الصواني الشعبية البلاستيكية ـ جاء به مضيفه الى حيث أجلس وقدمه لي على انه مهاجر عربي مصري موشك على أن يصدر مجلة أو جريدة باللغة العربية في احدى الولايات. ولم أعد أذكر تفاصيل المشروع، ولكنني مازلت أذكر كيف تداعت الخواطر حين قدمه صاحبه قائلا: ـ الدكتور حسين الغاياتي هنالك تحركت بين الجوانح لواعج التاريخ فقلت: ـ في تاريخ مصر رجل وطني كان يحمل اسم الغاياتي واحيانا القاياتي وكان كاتبا وطنيا وصحفيا مناضلا.. فهل أنت من هذه الأسرة؟ ـ حضرتك تقصد الشيخ علي الغاياتي؟ ـ بالضبط ـ سبحان الله.. أنا حفيد الشيخ علي.. وهذه أول مرة أصادف فيها من يذكره. بعدها كان طبيعيا ان يتحول مسار الأحاديث فما بالك وقد تبرع زميلنا بأن جلب اقداحا جديدة من الشاي على صينية الورق البيئي المضغوط والمعاد تدويره. كان محدثي فخورا بجده علي الغاياتي ـ الذي سمعنا عنه ـ في طور الطلب والتكوين ونحن نتابع معرفتنا وبدء المامنا بتاريخ مصر العربية الحديث.. وقد تمحور هذا السماع حول واقعة محددة بالذات.. بدأت عفوية وبسيطة ولكنها اسفرت عما يمكن ان نصفه بأنه تحول جذري في مسار التاريخ المعاصر اصل الحكاية أن الشاعر الغاياتي اصدر ديوانا جمع فيه شتات مقطوعاته الشعرية وقصائده المتفرقة واختار له اسما ما لبث ان ذاعت فيما بعد شهرته وهو (وطنيتي). كان ذلك منذ 92 عاما بالضبط.. وكان في الديوان قصائد وطنية تندد بالاحتلال البريطاني لمصر وتصدر عن روح التمرد التي اشاعتها دعوة الزعيم مصطفى كامل وخليفته الزعيم محمد فريد.. كانت مصر وقتها ترزح تحت ترسانة قوانين مجحفة بحق الحريات العامة على رأسها (قانون المطبوعات) الذي أعاد العمل به رئيس وزراء ذلك الزمان وهو بطرس باشا غالي الجد الأكبر للدكتور بطرس غالي أمين الأمم المتحدة سابقا وأمين الفرانكوفون منظمة الرطانة بالفرنساوي حاليا، يومها سارعت الحكومة الى مصادرة الديوان وقررت القاء القبض لا على صاحب الديوان الشاعر وحسب بل والقبض على رئيس الحزب الوطني بجلالة قدره ـ الزعيم محمد فريد ـ لماذا؟ لانه شارك في (جريمة) اصدار الديوان الشعري حين كتب له مقدمة تصدرتها سطور الكتاب، فأما الشاعر علي الغاياتي فقد سارع بالهرب الى الآستانة.. وأفضت ملابسات الأحداث الى أن سافر الزعيم فريد الى أوروبا وحين تناهت اليه الاخبار بأن النية الحكومية مبيتة من أجل القبض عليه وسجنه.. فقد اختار الزعيم البقاء في أوروبا.. وكان اختيارا صعبا فقد تحول الرجل من كونه واحدا من اعلام الوطنية الى أن أصبح منفيا يعيش على الكفاف في ألمانيا ـ وتحول من محام ثري موسر ينتمي الى اسرة عريقة وينعم وسط مواطنيه بمكانة سامقة لا بوصفه رئيسا للحزب الوطني وحسب ولكن بوصفه زعيما مفكرا ومثقفا ـ ليصبح كهلا استبد به المرض وشظف العيش وقسوة الحياة بل وجحود الفضل الى أن وافته المنية في عام 1919 وحين رحل عن الدنيا مات غريبا، وحيدا.. لا يكاد يذكره أحد، وتطوع بنقل جثمانه الى الوطن في يونيو من عام 1920 تاجر شهم شريف هو من مدينة الزقازيق في شرق دلتا النيل اسمه الحاج خليل عفيفي وفي هذا السياق كتب الشاعر حافظ ابراهيم داليته الرائعة المشبعة بالشجن يرثي بها محمد فريد ويخاطبه قائلا: ياغريب الدار والأهل ويا سلوة النيل، اذا ما الخطب جد وحساما فل حديه الردى وشهابا ضاء وهنا وخمد هكذا دارت أحاديث كافيتريا الأمم المتحدة مع ضيفي المهاجر الى أميركا.. حفيد الشاعر علي الغاياتي.. سألته ان كان قد عاصر جده فأجاب انه عايش الشيخ الكبير على مدار سنوات عدة.. الى ان رحل الشاعر الى عالم البقاء عام 1956 ثم تذاكرنا معا ـ ما أعرفه أنا من صحائف التاريخ العام ـ وما يذكره الحفيد من سيرة أسرته الشخصية.. لقد انتقل الشيخ علي الغاياتي الازهري التعليم الى جنيف وكان عمره وقتها 26 سنة، وقرر بعزيمة صلبة أن يتقن الفرنسية وان يلتحق ـ رغم السن ـ طالبا بجامعة جنيف وبعدها عكف على مدار 10 سنوات على اصدار جريدة (منبر الشرق) بالعربية والفرنسية يدعو فيها الى مؤازرة قضايا العروبة والاسلام.. وفي عام 1937 عاد الى مصر وكانت الدنيا قد تغيرت ولقى من بنى وطنه اعترافا بسابق الفضل فعاود اصدار منبر الشرق من القاهرة واعيد اصدار ديوانه وطنيتي وأنا أكتب لك هذه السطور وأمامي صورة زنكوغرافية طبق الأصل من التوقيع الخاص للزعيم محمد فريد خاتمة للمقدمة التي كتبها تصديرا للديوان (نشرها الاستاذ خير الزركلي في موسوعته الاعلام). واكتب هذه السطور أيضا عرفانا بفضل ابناء هذه الاجيال التي سبقت واستدعاء من مخزون الذكرى للقاء تم منذ سنوات عدة في كافيتريا الشعب ـ مقصف الدهماء كما قد نسميه في الطابق الأول من مبنى الأمم المتحدة في قلب نيويورك.