يظهر اتفاق الإطار حول السلام في السودان الذي توصلت إليه الحكومة والحركة الشعبية مؤخرا في كينيا، أنه يمكن تحقيق اختراقات مهمة في النزاعات الإقليمية، في حال تم التحلي بالواقعية. وانه لا يوجد ما يسمى بخطوط حمراء أو مبادئ ثابتة لا يمكن تجاوزها. فكلما دار الحديث أو يدور حول السياسة فانه ثمة إمكانية دائما للوصول إلى حلول. فمنطق السياسة، بما أنه منطق الممكن والتنازلات المتبادلة، يفرض نفسه في نهاية المطاف. وإنما الخطأ، وهو خطأ الأنظمة طبعا، أنها تلبس السياسة بلبوس الدين أو الإيديولوجيا، وتحولها إلى صنم جامد محاط بالخطوط والأسيجة الحمراء التي تزعق من حولها أجهزة الإعلام الرسمية «ممنوع الاقتراب». لكن حكومة الرئيس البشير التي تمكنت من استثمار دعوة الرئيس الاميركي جورج بوش غداة التفجيرات الإرهابية على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر، إلى مختلف الأنظمة لفتح صفحة جديدة وتحديد موقفهم ابتداء من الآن، إما مع الإرهاب أو ضده (مع اميركيا أو ضدها)، وهي الدعوة بالمناسبة التي لم تستوعبها أو تستفيد منها أنظمة عربية أخرى، أقول إن حكومة البشير، التي أبدت تعاونها الكامل مع الاميركيين في الحرب على الإرهاب، تحاول مواصلة تطبيق نفس آلية الفهم هذه مع قضية جنوب السودان، وهو ما مكن من الوصول إلى اتفاق مع الحركة الشعبية. هل يمكن وصف حكومة الخرطوم بالواقعية؟ من الممكن ذلك. ومن الممكن أيضا وصفها بالبرغماتية أو الانتهازية، على جري التعبير الشائع في الأدبيات العربية. لكن المؤكد أن فهم طبيعة التوازنات الدولية، ومتطلباتها، فيه شيء من السياسة وبالتحديد الحكمة السياسية. في حين أن الجمود والتمترس خلف الشعارات والمبادئ التي لا تمس، لا يؤدي سوى إلى طريق مسدود. الاتفاق السوداني كما قيل جاء بضغط اميركي. وهذا الكلام رغم صحته بشكل عام إلا أنه قد لا يكون دقيقا. فالاميركيون يمارسون منذ بعض الوقت ضغوطا على حكومة الخرطوم للتوصل إلى اتفاق سلام ووقف إطلاق النار مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. وقد أخفقت جولات سابقة من الحوار بين الطرفين. لكن ما أدى لنجاح الضغوط هذه المرة، هو أن حكومة البشير استوعبت الوضع الدولي الجديد (أو هكذا أظن) وما يوفره من فرص وتحديات. أما الفرص فتتمثل في الحصول على غطاء دولي لتسوية النزاع، وما يحمله من إمكانية جذب اهتمام وربما دعم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لهذه التسوية. فضلا عن الاستفادة من الزخم الحالي في محاربة الإرهاب، وما يعنيه من إمكانيات درء المخاطر وجلب المنافع. انه بمثابة صفحة جديدة يخطها الطرفان، وعليها يعتمد مستقبلهما. أما التحديات فهي صعوبة التنصل من الوعود والالتزامات التي تعطى والاتفاقات التي توقع. وهذا معناه الذهاب في مشروع التسويات حتى النهاية. وخلاف ذلك المخاطرة بمواجهة العواقب الكارثية. إنها ليست نزهة أو حركة تكتيكية، سيما أن أنظار العالم مسلطة وآذانه مفتوحة، وطبول الحرب الاميركية تدق بأقصى طاقتها. من الممكن القول إذن إن اتفاق السلام السوداني، من هذه الزاوية بالذات وبعيدا عن الاعتبارات الذاتية أو المحلية، هو محاولة للتكيف والاستفادة من الاستراتيجية الاميركية الجديدة الرامية إلى تسوية النزاعات (من الدرجة الثانية إن جازت التسمية) للتفرغ لمحاربة الإرهاب، وتأمين الهيمنة العالمية من جهة. ومن جهة أخرى محاولة لتلافي الآثار السلبية الناجمة عن هذه الحرب، وتصاعد النزعة العسكرية الاميركية. من المؤسف أن دولا عربية أخرى لا تزال عاجزة عن استيعاب ذلك. فدولة مثل العراق ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بتنظيم القاعدة أو بالهجمات على اميركا وعانت بما فيه الكفاية طوال أكثر من عشرة أعوام، ومع ذلك يتهددها خطر العمل العسكري الاميركي. وكانت أتيحت لها فرصة ذهبية للتخلص من الحصار والمعاناة غداة تفجيرات اميركا، لو أبدت (كما فعل كثير غيرها من الدول) التفهم للشواغل الاميركية الجديدة والاستعداد للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب. لكنها لسوء الحظ لم تفعل ذلك، وإنما ذهبت في الاتجاه المعاكس تماما. لا أتحدث هنا عن الحق أو العدل، فهما (للأسف) ليسا عنصرين مقررين في السياسة الدولية. ولا توجد دولة عاقلة تدمر مصالحها وتجلب المعاناة لشعبها، لمجرد أن تثبت عكس ذلك. لكني أتحدث من وجهة نظر واقعية بحتة تقوم على أساس إدراك موازين القوى الحقيقية في عالم اليوم، واتجاهات القوة والضعف فيه. والحاصل أن العراق يواجه اليوم مخاطر ضربة عسكرية، في حين يجلس الرئيس السوداني عمر البشير محاورا زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق، تحت مظلة اميركية، وبدعم واضح من المجتمع الدولي، مع ما يحمله ذلك من عودة الاستقرار والاستثمارات الأجنبية والازدهار الاقتصادي، رغم أن الدولتين (العراق والسودان) مصنفتان في القاموس الاميركي بدول ترعى الإرهاب. بل أن نظام الخرطوم يعتبر من وجهة نظر حرب الإرهاب الحالية الأكثر تورطا وارتباطا، فقد سبق له أن استضاف زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، كما استضاف معسكرات تدريب الأصوليين، وعدد كبير من نشطاء الجماعات التي تسميها الولايات المتحدة إرهابية، فضلا عن اتهامه بإيواء العناصر التي حاولت اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا. لكنه تمكن من الالتفاف على كل ذلك، والخروج منه مثل الشعرة من العجين، بينما يعلق العراق في حبائله ويكاد يتعثر، وهو الذي يعد ابعد ما يكون عن دعم الأصولية ناهيك عن اتهامه بها. ـ كاتب من البحرين