منذ أن بدأ المشروع الصهيوني وهو يفرض على المنطقة العربية استحقاقات تتغير من مرحلة لأخرى، وبطبيعة الحال تحملت الدول العربية المحيطة بالكيان الصهيوني النصيب الأكبر، من عبء هذه الاستحقاقات بحكم احتكاكها المباشر مع الكيان الصهيوني. وسواء أسفرت الجهود الجارية عن تسوية سلمية لهذا الصراع أو لا، فإن ما يحدث فيه من تحولات سيظل يتفاعل في المحيط العربي، وكل مشروع للتسوية يطمح إلى «حل نهائي» سيشتبك بالضرورة مع ملفات خارج الأرض المحتلة. وإذا كان المشروع الصهيوني قد قام من البداية على مفهوم «الترانسفير» من خلال آليتين متكاملتين هما : طرد الفلسطينيين أصحاب الأرض بالإرهاب والإبادة، ونقل المستوطنين ليحلوا محلهم، فإنه لم يتخل حتى الآن عن «منطق الترانسفير» وأصبح يعتمد على أشكال أخرى منه لعل أخطرها «ترحيل الأزمات» من داخل الكيان الصهيوني إلى المحيط العربي، دون أن يتخلى قادته عن حلم ترحيل آخر فلسطيني ولو إلى العالم الآخر !! «أرسلوهم إلى سيناء» وقد شهدت المرحلة الأخيرة من الهجوم العسكري الصهيوني على أراضي السلطة الفلسطينية محاولات جادة لدفع عدد من الفلسطينيين للخروج إلى إحدى الدول المجاورة، وفي حوار أجرته معه مجلة «نيوزويك» الاميركية قبل أسابيع أطلق الوزير الصهيوني المتطرف آفي إيتام صيحته: «أرسلوهم إلى سيناء»، وحسب نص الحوار، فإنه يدعو إلى : «الضغط على مصر لقبول إقامة دولة فلسطينية في صحراء سيناء». ويتردد في عدد من مشاريع التسوية التي تقدمها أطراف غربية متعاطفة مع الكيان الصهيوني مقترح شديد الخطورة يدعو إلى توطين كل فلسطيني يقيم في دولة عربية في الدولة التي يقيم فيها ومنحه جنسيتها، أو على الأقل منحه حق أن يطلب ذلك. وملف التوطين في لبنان قد يكون أشهر هذه الحالات بسبب ما أثاره من جدل داخلي في المجتمع اللبناني المحكوم بتركيبة طائفية دقيقة، ولاشك في أن الفلسطينيين المنتشرين في عديد من الدول العربية سيكونون ورقة ضغط تستخدمها الدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة لإقناع هذه الدول - أو إجبارها - على منحهم جنسيتها كحل جزئي لقضية عودة اللاجئين التي تشكل أحد أكثر قضايا التسوية تعقيدا. ورغم أن الموقف العربي الراسخ من قضية عدم توطين الفلسطينيين في أية دولة عربية يستند إلى أساس أخلاقي جدير بالاحترام، فإنه يحتاج إلى بلورة خطاب سياسي وقانوني متماسك لمواجهة ضغوط محتملة في المدى القريب، بل إن الترحيل والتوطين قد يستخدمان وسيلة لتفكيك أجزاء من الخريطة العربية كما هو الحال مع مخطط توطين ملايين الفلسطينيين في العراق. وغني عن البيان أن قضية التوطين التي تتفاوت أثارها المحتملة من مكان لآخر تبلغ أقصى مخاطرها في الأردن التي تشكل تجربتها في هذا السياق درسا للآخرين. حرمان شامل ولعل من المواقف التي يمكن أن تلخص الجانب الأكبر من علاقة الأردن بالفلسطينيين المقيمين فيها ما نشره السياسي الأردني ـ الفلسطيني عدنان أبو عودة في كتابه «الأردنيون والفلسطينيون وسلام الشرق الأوسط» ( واشنطن 1999)، إذ يروي أنه في عام 1991 أرسل مواطن من شرق الأردن، عضو في البرلمان، برقية للملك حسين يناشده فيها العدول عن اختيار طاهر المصري، وهو أردني ـ فلسطيني، رئيسا للوزارة، وكذلك إعفاء أبو عودة نفسه من مهامه الرسمية، وأهاب بالملك أن يربط نفسه بالأردن والأردنيين قبل فوات الأوان. ومن المفارقات التي تستحق التوقف أن أبو عودة نفسه تعرض منذ عمله وزيرا للإعلام عام 1970 لمحاولتي اغتيال ومحاولة اختطاف من جانب فصائل فلسطينية، وكان كلا الطرفين الأردني والفلسطيني يتهمه بالعمالة!! وفي اليوم التالي لتوقيع اتفاقية أوسلو بدأت المساعي لعقد معاهدة بين الأردن والكيان الصهيوني، وهي المعاهدة التي وصفها رئيس وزراء الأردن آنذاك قائلا : «إنها دفنت فكرة الوطن البديل». غير أن أوسلو من ناحية أخرى عصفت بأمل اللاجئين الفلسطينيين في الأردن في العودة إلى بلادهم، إذ شعروا بأن عرفات شطبهم من أجندته، فبدأ طرح قضيتهم في الأردن كشأن داخلي. وبين 1994 و1996 طرح الشأن الفلسطيني في الأردن من خلال استطلاعات رأي جاءت بعض نتائجها صادمة، وجدال إعلامي حامي الوطيس (نوفمبر 1995) شارك فيه صحافيون وسياسيون وبرلمانيون. وفي عام 1995 التقى عدنان أبو عودة عشرة نواب إسلاميين طرح على كل منهم على حدة عدة أسئلة وكانت إجاباتهم جميعا متطابقة : نعم يوجد تمييز ينبغي إيقافه، لكنهم لا يستطيعون طرح المسألة لحوار عام !!! علاقة شائكة وعلى خلفية هذه العلاقة الشائكة التي ترجع إلى بداية المشروع الصهيوني نفسه، أبدى الملك عبد الله الثاني ملك الأردن اهتماما شديدا مؤخرا وهو يعالج ملف الانقسامات الاجتماعية، التي تتناسب طرديا مع حجم التوترات الإقليمية تحديدا غربي نهر الأردن الذي ألغاه الملك كحاجز طبيعي في خطاب علني له مؤخرا، عندما تحدث عن «الأسرة الواحدة غربي النهر وشرقه». ومن الجديد في هذا الاتجاه تلك الإشارات الملكية التي تسعى لإدخال مفاهيم مختلفة وجديدة للقاموس السياسي والاجتماعي الداخلي في الأردن، ومن الواضح أنها ستستخدم لاحقا في إطار جهود التوحيد الاجتماعية وستكون أساسية في معالجة ما اصطلح على تسميته سابقا : «ملف الوحدة الوطنية». وقد رصد المراقبون تغييرات طرأت في لغة الخطاب الملكي على بعض المفاهيم أو بعض الأدبيات ذات الصلة بالوحدة الوطنية. ورصدت تغييرات مهمة برزت على هامش لقاءات بين الملك وأعضاء مجلس الأعيان وبينه وبين ممثلين لفئات المجتمع وأعضاء في البرلمان السابق، فقد قضى - علنا - على الصفة التي كانت تستخدم سرا وعلانية لنهر الأردن للتعبير عن حالة فصل أو انفصال، أو عن هويتين وطنيتين شرقا وغربا وأعاد هنا إنتاج توصيف ودور هذا النهر الذي يراد له أن يكون مستقبلا فاصلا طبيعيا بين دولتين من الواضح للجميع أنهما مرتبطتان بشكل أو آخر. وفي عملية إعادة التوصيف استعيرت الثنائيات القديمة والتاريخية بين المدن الفلسطينية غربي النهر والأردنية شرقيه، فمدينة السلط ارتبطت بنابلس، ومدينة الكرك بالخليل، كما لازم ذلك حديث عن أسرة واحدة حول النهر. وهذا الخطاب - بصرف النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معه سياسيا - عالج مخاوف عملية وواقعية عند غالبية من الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية، فمسح على جراح بعضهم وعادل المشاعر السلبية التي تشكلت عندما قمعت الأجهزة الحكومية الأردنية عشرات التظاهرات التي نظموها في الفترة الماضية. وليؤكد هذا الموقف زار مقر الأمن العام وحذر من التفرقة بين المواطنين معيدا إنتاج خطاب العدالة والمساواة داخل المؤسسة الأمنية نفسها، وذلك بعد قليل من صدور بيانات حزبية قالت إن بعض ممثلي السلطات الأمنية رددوا شعارات وتصرفوا تصرفات تسيء للوحدة الوطنية وهم يواجهون التظاهرات. وأشرف بنفسه على إجراءات قاسية مضادة لشغب الملاعب أعادت إنتاج الهتافات الرياضية التي عكرت أجواء الوحدة الوطنية واتخذت قرارات أمنية وعوقب رسميون قصروا في معالجة اختلالات من هذا الطراز داخل الملاعب. ومن المؤكد أن وصولها إلى المنتديات الرياضية كان يعني تحولها سريعا إلى جزء من لغة الخطاب اليومي لرجل الشارع العادي. وفي لقاءاته مع رموز الحرس القديم من السياسيين والأعيان والنواب حرص على تغييب اصطلاح الوحدة الوطنية واستبدله باصطلاح جديد هو الانتماء وليس الولاء. استحقاقات التسوية وإذا كانت المؤشرات، حتى الآن، تؤكد أن التسوية السلمية للصراع العربي الصهيوني تبدو مستحيلة، فإن بعض استحقاقاتها بدأت تطرح بقوة، فمنطق ترحيل الأزمات والتناقضات للعالم العربي أحد الأساليب التي يفضلها الصهاينة. كما أن خصوصية النموذج الأردني لا تعني أنه غير قابل للتطبيق - بدرجة أقل حدة - في أماكن أخرى من العالم العربي. ويضفي هذا أهمية متزايدة على ملف عودة اللاجئين بوصفه مفتاح الحل النهائي للقضية. ورغم أن كاتب هذه السطور ليس من أنصار تسوية سلمية، أيا كانت شروطها، فإنه يدعو أنصار التسوية السلمية، من الفلسطينيين وصناع القرار العرب على السواء، للانتباه لهذا الفخ الخطير. والمرحلة المقبلة تحمل نذرا كثيرة ينبغي الاحتراز منها والتحسب لها، حتى لا تأتي لحظة يكون الفلسطينيون فيها ضيفا ثقيلا يود أي شعب عربي أن يتخلص منه !!! ـ كاتب مصري