تتميز العلاقة التي تجمع ما بين اصحاب العقول المنفتحة على الفكر الجيد وبين الجمهور المتلقي للاعمال الثقافية التي تصدر عن تلك النخب بفتور واضح ادى الى حدوث فراغ ثقافي ومعرفي بالقضايا الجوهرية ذات الصلة بالانسان، كالقضايا الاجتماعية التي تتناول موضوعات الزواج والطلاق وتربية الابناء اضافة الى علاقة الانسان بذاته ثم ما يتفرع عن ذلك من علاقات متداخلة، وقبل ذلك كله حدث فراغ رهيب فيما يختص بالزاد الفكري القادر على بناء قاعدة معرفية صحيحة يتشكل من خلالها موقفه من القضايا الانسانية، ومن الافكار والمذاهب والاتجاهات، كما انها تشكل خارطة القيم لديه، وتحدد طبيعة نظرته الى الاشياء من حوله!! ولعل من يلقي نظرة عامة على سلوكيات المجتمعات العربية يذهله ذلك الانفصال الشديد بين السلوك الاجتماعي الذي يمارسه الافراد، وبين القواعد والمثل التي يبشر بها المثقفون، وينادي اليها وكلاء الفكر النظيف ممن ارتقت اذواقهم، وتهذبت معارفهم على نحو يؤهلهم لاستلام دفة التوجيه وقيادة المجتمع قيادة فكرية تقدم من خلالها البدائل الصحيحة عن حالة اجترار القيم السلبية الناقصة التي يتجه اليها الافراد الذين رأوا ان القيم الموروثة ما هي الا شيء هلامي يمكنهم تجاهله او تحويره او انزاله عن قصره الشاهق لينظر اليه على انه ماضٍ ولى وراح، او طلل قديم يتشبث باعتابه العجائز والكهول بعد ان اتت المدينة بثيابها المبهرجة لتقضي على عناصر المقاومة في عقول الناس. وهو تعميم مخل، وتستطيح غير قادر على الرؤية الى ما هو ابعد من مواطيء الاقدام، فقد جهل هؤلاء الاغرار ان كثيرين مازالوا في صحة وعافية وان حصونهم الذاتية لم يزدها الدهر الا ثباتا ورسوخاً، وهو الشيء الذي كان واجباً افهامهم اياه من قبل الطبقة المثقفة التي اكتفت بأقل القليل في اتجاه الاصلاح والبناء ورد الذين خرجوا من السرب القوي الى ذلك الافق البعيد. ولعلنا ـ وفق هذه الصورة ـ لا نضع كل اللوم على المجترئين على الاداب والقيم، ولكن نوجه اللوم والعتاب للعقلاء الذين لديهم المعرفة والعلم ويمتلكون الرؤية الصحيحة للمشاكل الحياتية. لماذا اكتفوا بدور ضعيف، ولماذا عجزت وسائلهم عن الوصول الى مختلف الشرائح الموجودة في المجتمع؟ وهل يكفي القاء اللوم على وسائل الاعلام التي ضلت طريقها وسط الزحام فاعطبت عقول فئات من افراد المجتمع لكي نرفع ايدينا ونقول على هؤلاء السلام؟ أليس اليأس ممنوعاً، ونفض اليد من وسط الطريق علامة فشل ذريع، ثم ماذا عن الجهود المدخرة، والموفرة، والتي تبدو موضوعة في علب للحفظ طويلة المدى، اين تصرف تلك الجهود التي يضن بها ان توجه للبناء والاصلاح؟ هل اتجرأ واقول انها تصرف في اتجاه تغذية الخلافات، واذكاء نار العداوة والفتنة بين المثقفين انفسهم من حملة الشهادات العلمية الرفيعة، ومن بعض الكتاب، والمفكرين الذين آثروا الانكباب على الانترنت واشعال حرائق كلامية بين بعضهم البعض، رغم ان ما كان ينبغي ان يكون عامل تجميع ولم للشمل يوازي اضعاف العوامل التي تثير بينهم الخلاف على الشبكة العنكبوتية، وتمتص جهودهم، بل وتجعل القاريء البسيط الذي لا يحمل فكراً يحميه من الاقتناع ان هذا هو طريق البناء والاصلاح، يصبح اسير تلك الطريقة التي تتعالى فيها الاتهامات، حتى ان من يجرؤ على محاولة التعبير عن رأيه ـ في بعض المواقع التي هدفها اثارة الخلاف ـ يرمى بانه لا يفهم او انه عميل للافكار الخاطئة. هذه الصورة التي آثر البعض ممن عرفوا وعلموا ان يحبسوا انفسهم في داخلها، تدل عن جهل كبير بسلم الاولويات في العمل التوعوي، كما انها تدل على صعوبة في فهم الطريقة التي من خلالها يتم التأثير على الناس، فليست المعارك الكلامية ولا هدر الساعات في احاديث عن الصراعات الفكرية هو ما يحتاجه عامة الناس. ان الناس يبحثون عمن يجيب عن تساؤلاتهم حول الطرق السهلة والممكنة التي بها ترتقي حياتهم الى الافضل. ان الناس تبحث عمن يعطيها وصفات سريعة وميسرة للكيفية التي بها يتجاوزون احباطاتهم وآلامهم المختلفة، هذا ما يحتاجه الناس، وليس شيئاً آخر.