تذكرت الاستاذ «الكيالي» ناظر مدرسة الاحمدية بمنطقة الرأس بديرة والاستاذ «فريد» اللذين كانا من ضمن الطاقم التعليمي للمدرسة في فترة الستينيات، وكفيهما اللذين ينزلان كالصاعقة على مؤخرة رقبة أي طالب يطول شعر رأسه فوق أذنه وبالطبع اذكرهما بالخير فهما من جيل كان يهتم بالقيم والعادات والتقاليد والاحترام بين الصغير والكبير وبين المعلم والطالب، حيث كانت للمعلم هيبته وكرامته ومكانته ويشار اليه بالبنان كمرب للأجيال. وبالعودة لقصة الشعر كنا حسب تلك الصرامة لمظهرنا حتى في قصة الشعر وطوله وكنا نسخاً كربونية من بعضنا البعض كأننا صينيون، حتى حفظ الحلاقون الهنود قصة شعر المدرسة من غيرها، وكان الحلاق خلال الموسم الدراسي لا يسألنا عن اي تسريحة نرغب بل كنا نسلمه رؤوسنا في صمت والمقص يعرف الباقي. وما دعاني الى تلك الذكريات ما سمعته مؤخراً عن ان لاعب المنتخب الانجليزي المشهور «بيكهام» قد بلغ سعر قصة شعره المعتمدة باسمه 200 جنيه انجليزي حيث تقدم محلات الحلاقة في بريطانيا شهادة معتمدة بضمان «كضمان الوكيل» بأن قصة الشعر تلك مثل قصة اللاعب بيكهام وان الجل المستخدم وصبغة الشعر الصفراء نفسها وبنفس الطريقة وتبقى التسريحة لمدة شهرين لا تتغير سواء في اللون أو الشكل تحت أي ظروف حتى ولو كان الاستحمام يوميا، وتسريحة بيكهام كما رأيناها في التلفزيون خلال مباريات كأس العالم الماضية كانت عبارة عن «علعول» ممتد من مقدمة الرأس وينتهي في مؤخرته ومتدرج بلون اصفر وجانبا الرأس محلوقان بالمكنة على «الزيرو» ويبدو شعره فيه كعرف الديك أما لاعب منتخب البرازيل وطفله المدلل رونالدو فله تسريحة شعر ايضا تبلغ قيمتها في سوق الحلاقين في بريطانيا 100 جنيه انجليزي وهي عبارة عن حلاقة لشعر الرأس كله على «الزيرو» ما عدا عن ابقاء نصف دائرة في مقدمة الرأس وبشعر خفيف ايضا ولكنه اكثر غزارة عن بقية شعر الرأس، وتحول منتخب اليابان خلال مباريات كأس العالم إلى علبة من الالوان المختلفة فكل لاعب يختلف لون شعر رأسه عن اللاعب الاخر وكأنهم ألوان الطيف. وأصبح لسوق الحلاقة اعراف وتقاليد وقوانين من يتجاوزها يمكن ان ترفع عليه القضايا في المحاكم لان تسريحة الشعر تعتبر ماركة مسجلة ايضا فقد رفعت احدى الشركات على اللاعب بيكهام نفسه قضية حينما قص شعره على الزيرو قبل مباريات كأس العالم حيث كان بينها وبينه عقد احتكاري على تسريحة شعر معينة وبسبب مخالفته رفعت عليه القضية.. ومن خلال متابعتنا لمباريات كرة القدم أو غيرها من اللعبات الجماعية نرى ان تلك اللعبات تحولت الى مسرح للموضة سواء في تسريحات الشعر أو الملابس مثل قميص منتخب الكاميرون الذي كان بدون اكمام، او حتى في ابتكار الحركات والرقصات بعد تسجيل الاهداف.. وبالطبع نحن منطقة خصبة للتقليد الاعمى لكل شيء فما أن يرى لاعبونا اي حركة الا كانت في ملاعبنا في اليوم التالي، وكلنا يتذكر العقوبات التي اتخذها اتحاد كرة القدم على بعض اللاعبين بسبب تسريحات شعورهم الغريبة في قرارات تحافظ على العادات والتقاليد لمجتمع مسلم له شرائعه وقوانينه واعرافه. والاغرب اننا لا نقلد الا التفاهات من تسريحات غريبة او تصرفات اغرب او ملابس اعجب لا يستر فيها «البنطلون» الا جزءاً بسيطاً ويسحب على الارض من الاسفل وقمصان أو فانيلات لا تستر الا القليل من الصدر والبطن مكشوف بالكامل تظهر السرة والظهر.. وبالطبع هذا يسمى آخر صيحات الموضة التي اتمنى ألا يجري وراءها اولادنا وبناتنا في تقليد اعمى لقشور الحضارة الغربية. ان لكل مجتمع عاداته وتقاليده وما قد يكون شيئاً طبيعياً في مجتمع معين يكون مستهجناً في مجتمع آخر، وما قد يكون قمة التطور في مجتمع ما وحقاً من الحقوق الشخصية يكون قمة الانحلال والاعتداء على الذوق العام والعادات والتقاليد والاعراف فلكل مجتمع معتقداته وشرائعه الدينية والاجتماعية التي لابد ان تحكمه وتسير تصرفات افراده. ونحن امة لنا من الارث العظيم في القيم والشمائل والعادات والتقاليد التي يقف العالم امامها احتراماً واجلالاً.. فهلا صدرناها للعالم بدلاً من تقليد قشوره.. ونكون هداة العالم...