وكأنه لا يكفينا الاستماع الى اعلان مسجل ومكرور مئة وخمسين مرة في اليوم عن المحل الفلاني او الدكان العلاني، خرجت لنا بعض المحطات الاذاعية الـ «اف ام» بموضة جديدة مزعجة، هي ارسال المذيع الى موقع الحدث وهو البوتيك الراعي للبرنامج او الذي دفع ثمن عدد من حلقاته ليعلن بنفسه عن التنزيلات الخطيرة والحسومات الرهيبة التي يجريها البوتيك. ولو ان الامر يتوقف عند هذا الحد لما اعترضنا ولكن ما نجده مستهجنا هو ان يقوم المذيع بعرض اسعار البضاعة في برنامجه كأن يقول بلا خجل ان القميص «التلياني» بتدليع الطاء الذي كان سعره مئة وعشرين درهما هبط سعره الان الى 45 درهما وتفرج يا سلام! ويستمر على هذا المنوال الى ان يغطي جميع البضاعة بدءا من القمصان «التلياني» الى الجوارب التايواني واذا ما تبقت للمستمع «شوية» اعصاب وواصل الاستماع فان المذيع سيقوم بعد انتهائه من استعراض اسعار البضاعة «التليانية» بتذكير المستمعين مرارا وتكرارا ان المحل يظل مفتوحا الى منتصف الليل ويشجعهم على زيارة المحل في اي وقت يناسبهم. وبين كل اغنية واخرى تتجدد المسخرة ويعود المذيع شديد الحماس لاستيقاف المشترين وسؤالهم عن آرائهم في البضاعة المعروضة وبالطبع فان حماس هؤلاء الاخيرين لا يقل ابدا عن المذيع واجاباتهم تكاد تكون قصائد في جودة البضاعة «التلياني» ورخص اسعارها لدرجة ان المرء يهيأ له ان هؤلاء المشترين الذين نسمعهم ولا نراهم هم واحد من اثنين اما اصحاب المحل او الباعة فيه لشدة اعجابهم بالبضاعة ومديحهم الزائد للاسعار. ولمزيد من الاستفزاز فان سؤال المسابقة وهو الطقس المعتاد في كل برنامج اذاعي يفوز به المتسوق المتواجد في البوتيك الذي يتمكن من استخدام مهاراته الحسابية الفائقة ويخمن كم تي شيرت «تلياني» يمكن شراؤه بخمسمئة درهم هذا بعد ان يكون المستمعون قد حفظوا عن ظهر قلب اسعار البضاعة التي لقنهم اياها المذيع. وما يرفع الضغط اكثر فأكثر هو انه الى جانب الدعاية الحية التي يقوم بها المذيع هناك اعلان مسجل يتكرر بعد كل اغنية للمحل نفسه الذي اخذ البرنامج كله على حسابه نستمع فيه الى زوجة تحث زوجها على شراء بدلة «تلياني» من المحل اياه بأسلوب مثير للاعصاب يجعل يدك تمتد تلقائيا لاغلاق المذياع لمدة دقيقتين الى ان ينتهي. ألهذا الحد يمكن ان ترضخ محطات الاذاعة وتنحني للمعلنين وترتضي ان يتحول مذيعوها الى دلالين! واذا كان المذيعون اليوم لا يمانعون في الوقوف في البوتيك للاعلان عن اسعار البضاعة المخفضة فالاحرى بهم ان يقفوا في المحل لبيع البضاعة بأنفسهم فربما ينجح هذا الاسلوب في اقناع الناس بزيارة المحل لرؤية المذيع وهو يشارك بنفسه او بالاحرى بيديه في الحدث. والمشكلة انه لو كان هذا المذيع «حيا الله واحد» لما اسفنا عليه ولكن ان يفعل ذلك قاريء نشرات اخبار يفترض ان يكون له وزن وهيبة واحترام لدى المستمعين فهذا هو العار. وحتى لو كانت هذه المحطات الـ «اف ام» ذات ملكية خاصة او تأسست بهدف تجاري فذلك لا يبرر لجوءها الى هذا الاسلوب الرخيص من الدعاية التي هي بلا شك فاشلة فلا اتصور ان هناك من يطيق الاصغاء لبرنامج اشترت ساعات بثه بالكامل شركة «مسخرون» او بوتيك «مهزلون» ولابد ان يكون رد الفعل الطبيعي والفوري لهذه الدلالة الصريحة والاستهتار باذن المستمع هو تغيير المحطة او اغلاق الراديو وحديثنا عن المذيعين له صلة في الاسبوع المقبل.