«ننقل لك الحدث بالصوت لتكتمل عندك الصورة» بهذا الشعار يستقبلنا مذيعو راديو «سوا» ويودعوننا وهم يقدمون لنا «العالم الآن» منذ ان بدأت الخدمة الاخبارية، في هذه الاذاعة التي انطلقت يوم الثاني والعشرين من مارس الماضي كخدمة من خدمات الاذاعة الدولية الاميركية التي يشرف عليها ويمولها مجلس امناء الاذاعات الدولية وهو احد الوكالات التابعة للحكومة الاميركية كما يشير الى ذلك موقعها على الانترنت الذي يقول ايضا انه «من بين المباديء المرشدة لراديو سوا ان خدمة مصالح الولايات المتحدة على المدى الطويل تتم من خلال الاتصال الجماهيري المباشر باللغة العربية مع شعوب الشرق الاوسط عن طريق الراديو، ويسعى راديو سوا ليحظى باحترام المستمعين ويجذب انتباههم وسيلتزم راديو سوا في تقديم الاخبار بالدقة والموضوعية والشمول». اطلاق هذه الاذاعة التي تبث على مدار الساعة اغاني وموسيقى موجهة الى الشباب ممن تتراوح اعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين رافقه تصريح لمدير مجلس الامناء لشئون الارسال «نورمان بايتز» قال فيه انه سيكون بامكان المستمعين «الاطلاع على الحقيقة فيما يتعلق بأميركا وما تدافع عنه» موضحا ان هدف الاذاعة الجديدة هو الترويج للديمقراطية والحرية، بينما اكد مدير الاخبار في اذاعة «سوا» ان الاخبار التي سيتم بثها ستكون «موضوعية وصريحة ومتوازنة». وقبل ان نخوض في مضمون هذه التصريحات ونذهب بعيدا معها نستذكر مرة اخرى خلفيات هذا التوجه «العولمي» الجديد ونعود الى ارهاصات هذه المحطة التي بدأت قبل عام من بداية البث ـ وتحدثنا عنها حينها ـ عندما اشار «نورمان بايتز» نفسه في شهر ابريل من العام الماضي بصفته مدير مجلس البث المسئول عن الشرق الاوسط بصوت اميركا الى ان «ثمة حربا اعلامية قائمة في المنطقة.. ولا تتمتع وسائل البث الاميركية بتأثير هناك» قائلا ان عددا صغيرا جدا من المستمعين العرب المحتملين يتابعون برامج صوت اميركا على مدار الساعات السبع من بثها باللغة العربية في ذلك الوقت، وفي منطقة تتميز بتنوع ثقافي شديد ولهجات متعددة فان الاذاعة الاميركية تبث برامج واحدة عبر المنطقة برمتها باستخدام الفصحى التي يعتبرها كثير من العرب «مضحكة»! واصفا ما يفعلونه بأنه امر محزن ويشبه تفصيل بدلة ذات مقاس واحد والزام الجميع بارتدائها ولذلك فقد عمد مدير مجلس البث الى وضع خطة طموحة تتيح الوصول الى جميع مناطق العالم العربي على مدار الساعة. حدث ذلك قبل الحادي عشر من سبتمبر، ولم يكن ذلك الزلزال في الحسبان فما الذي حدث بعده؟ لقد تحولت الخطة الى حقيقة واقعة، وانطلق راديو «سوا» الذي يقول عنه رئيس مجلس الامناء «مارك ناتانسون» انه «يتوجه الى اشخاص غالبا ما تكون مصادر معلوماتهم متميزة ومعادية للاميركيين» ليقدم لنا «أجمل اغاني الشرق واجمل اغاني الغرب» كما يردد مذيعوه على اسماعنا بين اغنية واخرى بلغة لم تعد «مضحكة» كما يفترض، بينما تفرق دم اللغة العربية الفصحى ـ التي وصفها السيد بايتز بأنها مضحكة ـ بين خمس لهجات عربية في الشام ومصر والعراق والسودان ودول الخليج ولم يجد من يطالب به. ويبدو ان الاذاعة الجديدة قد طرحت ثمارها وآتت أكلها خلال فترة وجيزة لم تتجاوز الشهور الاربعة، بدليل ان مجلس النواب الاميركي قد وافق الاسبوع الماضي على مشروع قانون يهدف الى تقوية وتعزيز البث الاذاعي والتلفزيوني الموجه الى الدول العربية والاسلامية من اجل تحسين صورة الولايات المتحدة ومكافحة الشعور المعادي لاميركا وبموجب مشروع القانون الذي ينتظر موافقة مجلس الشيوخ ثم توقيع الرئيس عليه حتى يصبح قانونا تم تخصيص حوالي 135 مليون دولار للعام المالي المقبل 2003 الذي يبدأ في مطلع شهر اكتوبر من هذا العام. رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب «هنري هايد» قال اثناء مناقشة مشروع القانون: «ان عددا من الصحف الشعبية الاجنبية، والحكومية غالبا، تعطي صورة شيطانية عن الولايات المتحدة، متهمة هذا البلد (الولايات المتحدة) بعدد لا يحصى من المؤامرات ضد العالم» واضاف: «انه حتى لو هاجمنا الشبكات الارهابية التي دبرت مقتل آلاف الاميركيين فغالبا ما توصف اعمالنا في العالم الاسلامي بأنها حرب ضد الاسلام». وللسيد النائب المحترم نقول: ان صورة بلدك الشيطانية التي تتحدث عنها ليست الصحف الشعبية الاجنبية من رسمها، وانما رسمتها مواقف بلدك المؤيدة للشر، المنحازة للعدوان، المجافية للحق، المناصرة للباطل. هذه الصورة رسمها وقوفكم الى جانب قتلة الابرياء من النساء والاطفال والرضع الآمنين. هذه الصورة رسمها تذكير «بيتكم الابيض» لنا بعد مجزرة غزة ـ التي ادانها العالم اجمع وتفاخر بها السفاح شارون وحده ـ بأن رئيسكم سيبقى اول من يدافع عن اسرائيل، وكأنها هي المعتدى عليها لا المعتدية. هذه الصورة رسمتها مكافأتكم لمن ارتكب المجزرة ـ ودماء الضحايا لم تجف بعد ـ بمنحه مساعدة اضافية مقدارها 200 مليون دولار تحت بند «مكافحة العمليات الاستشهادية». هذه الصورة رسمها تكليفكم لوكالة مخابراتكم المركزية ذات اليد الطولى ـ رغم رسوبها في امتحان الحادي عشر من سبتمبر ـ بقيادة عملية طويلة الامد لتصفية المقاومة الفلسطينية وكأن شارون وموساده وزبانيته مقصرون في ذلك. هذه الصورة رسمها تجاهل حكومتكم انتهاك اسرائيل لقانونكم بحظر استخدام السلاح الاميركي في غير الدفاع عن النفس والامن الداخلي، ورفضكم مناقشة مجرد احتمال ذلك في هذه المجزرة، والاكتفاء باعراب وزير خارجيتكم عن قلقه الذي لا نعرف اين نصرفه. هذه الصورة رسمها ذلك الفيتو اللعين يرفعه مندوبكم داخل مجلس الامن في وجه كل قرار يمس شعرة من شعرات رأس شارون الشيطانية، شارون الذي يصفه رئيسكم ـ في مهزلة من مهازل العصر ـ برجل السلام بينما يطالب الشرفاء والاحرار بمحاكمته كمجرم حرب! الصورة يا سيدي النائب كما قلت فعلا شيطانية كوجه ذلك السفاح حليفكم، ولن تفلح ألف «سوا» واخواتها في جعلها ملائكية او التخفيف من بشاعتها. اما اولئك الذين «ينقلون لنا الحدث بالصوت لتكتمل عندنا الصورة» كما يتوهمون فنقول لهم: ان ما تقدمونه من اغراءات لجذب الشباب العربي للاستماع لاذاعتكم لا يختلف في شيء عن تلك الوجبات السريعة التي تقدمها مطاعمكم الشهيرة، ضررها أكثر من نفعها.. تسمن.. بل انها تصيب بالتخمة لكنها لا تغني من جوع. ونقول لهم: عبثا تحاولون، وسدى تذهب جهودكم لتغيير معالم الصورة طالما وجد هناك من يلطخها كل ساعة بمواقفه المشينة، ويقصف اعماقها بطائرات الاباتشي واف ـ 16، ويصنع بروازها من الاسلاك الشائكة. الصورة ليست ناقصة يا اصدقاء الهواء بل هي مكتملة لكن بها ألف شرخ وشرخ وبها ألف طعنة وطعنة وبها الشيطان يطل علينا من كل زاوية، وبها آلاف القتلى والجرحى ووجوه الاطفال تطل معاتبة، ودماء تصبغها باللون القاني وبها اصوات تصرخ طالبة للعدل وللرحمة. الحقيقة الوحيدة التي يجب ان نعترف بها هي ان مجلس نوابكم ـ وهو يخصص ذلك المبلغ لكم ـ قد جعلنا نتوارى خجلا ونحن نتذكر قرار وزراء اعلامنا العرب الشهير بتخصيص مليون دولار لتصحيح الصورة العربية التي تشوهت لديكم بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر. في هذه، فقط، كم تمنينا لو أننا في الهوى سوا!!