(إن كل من يعتقد او يتخيل ان رئيس الوزراء او وزير الدفاع اورئيس اركان الجيش قد يتخذ قرارا كهذا او يوافق عليه مع علمه بانه قد يؤذي مدنيين ابرياء هو ببساطة لا يعرف عما يتحدث) هذا ما قاله الكاذب الكبير نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي سالفون شالوم. إن مسألة اتخاذ قرار كهذا يمر بعدة قنوات منها موافقة وزير الدفاع الاسرائيلي الذي يقضي اجازته في بريطانيا واعطى موافقته هاتفيا للقيام بهذه العملية، ولا اعتقد ان من خاطبه لاخذ موافقته نسي ان يخبره ان قنبلة زنتها طن كامل ستحل على منزل يقع في منطقة سكنية مزدحمة بعد منتصف الليل، لن تأخذ معها ارواح الكثير من الابرياء. يخطئ من يعتقد ان الولايات المتحدة ستتأثر من عمليات كهذه، او سيكون لها موقف انساني بعد مشاهدة الجثث المشوهة للاطفال والنساء في غزة، فهي بدروها لها سجل حافل بجرائم لم تجد من يحاسبها عليها، فلو تناسينا قوة اللوبي اليهودي المسيطر على صناعة القرار في واشنطن، فهل من المعقول ان تندد بعملية ذهبت بحوالي خمسة عشر شخصا وهي مازالت تهلك الحرث والنسل في افغانستان؟ لقد اتقن اليهود لعبة تقمص الادوار، فبعد ان شكر الجيش على تنفيذ المهمة وباركها وقال عنها انها من افضل العمليات التي نفذها، عاد رئيس الوزراء الاسرائيلي فغير كل اقواله بعد ان انتشرت صور المجزرة ليقول بانه ماكان ليأمر بتنفيذ العملية لو كان يعلم بنتائجها. إن اعلان القيادات الاسرائيلية ندمها على العملية، وسحب من باركها أقواله ما هو سوى استراتيجية وقتية آتت اكلها، فقد افتتحت صحيفة التايم اللندنية عددها بعد العملية بايجاد الاعذار لاسرائيل للقيام بمثل هذه العمليات، وانها تدافع عن نفسها من خلالها، والفرق انها لاتقصد المدنيين الفلسطينيين بعكس الفلسطينيين الذين يقصدون تدمير المدنيين الاسرائليين، الم نقل انها استراتيجية اسرائيلية ذكية. لقد حسبت اسرائيل كل تلك النتائج وقدرت عدد قتلى العملية حتى قبل تنفيذها، ولكن يجب ان نسأل انفسنا هنا، مالذي تقصده اسرائيل من وراء عملية كهذه البت عليها الرأي العام في العالم؟ من الواضح انها رسالة قاسية لكل قادة المقاومة الفلسطينية «باننا نستطيع ان نصيدكم في منازلكم، وسيكون اطفالكم ونساؤكم وحتى من يجاوركم اهداف مباحة»، وهذا الاسلوب اتبعته اسرائيل على مدى تاريخها، فهي تحاول عزل اعدائها عن محيطهم بجعل المقربين اليهم يدفعون الثمن، وحتى الجيران قد يعارضوا وجود شخصية جهادية نضالية في محيطهم خوفا على ارواحهم و ممتلكاتهم. الرسالة الثانية التي تريد القيادة الاسرائيلية من الجميع قراءتها هي انها قد تصعد الموقف الى درجة انها قد تفرض التهجير الجماعي بجعل الفلسطينيين يبحثون عن مكان اكثر امانا وليس هناك افضل واقرب من الاردن، فمعنى ذلك ان الدول العربية مطالبة بتهدئة الموقف وبسرعة حتى لا تصل الازمة الى هذه المرحلة. الرسالة الثالثة هي رد على ما اعلنته حماس على لسان مؤسسها بوقف العمليات الاستشهادية، فالكيان اليهودي لايستطيع ان يعيش تحت ظل اتفاقيات تقيد حركته، فهو كيان يعيش على الحرب ويتغذى بالدماء ولديه رغبة عارمة في نسف كل الاتفاقيات والتفاهمات سواء موقعة كانت ام لا. نعم، لقد بعثت اسرائيل برسائلها، وتلقيناها شعوبا وحكومات، ولهذا لم تقم الفضائيات العربية بنقل الجريمة، بل استمر الكثير منها في نقل الحفلات والمهرجانات او ترددت كثيرا في قطع حفل غنائي لنقل صور المجزرة، وتعمدت الحكومات العربية التستر على الجريمة خوفا من غليان الشارع فيها وقد نجحت في ذلك الى حد كبير. إن التوجه العربي العام هو اعادة قاطرة السلام الى سكتها الحديدية بدلا من التصعيد، فالولايات المتحدة الامريكية بانتظار ان يعود المفاوضون الفلسطينيون الى اوراقهم حتى تتفرغ لضرب العراق، ولعل الفلسطينون يقاتلون على جبهتين بدون ان يعلموا، احداهما دفاعا عن العراق والاخرى دفاعا عن كرامة امة نسيت انها تملك تلك الصفة. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»