يعرف المجتمع البشري على وجه الارض قاطبة انواعاً متعددة من السلطات: السلطة الاقتصادية والسلطة الثقافية والسلطة الفكرية والسلطة الحكومية، والسلطة التراثية، وفي هذا المقال تعرف السياسة بأنها العلم الذي يتناول الوسائل التي يتوسل بها شخص لاحداث التأثير ابتغاء تحقيق اهداف معينة، وهذا التعريف للسياسة يختلف عن التعريف المألوف في قدر كبير من الكتابات العربية وحتى الغربية التي تعرف السياسة بانها علم او فن تصريف شئون الدول، والتعريف الاول الذي هو اكثر شمولاً من التعريف الثاني يأخذ به في هذه الايام عدد اكبر من علماء السياسة في الغرب، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة، ففي هذا البلد يعنى عدد اكبر من علماء السياسة بوسائل وطرق احداث التأثير ابتغاء تحقيق اهداف معينة، وهارولد لازويل من الاساتذة الاميركيين الذين يأخذون بهذا التعريف. وكل السلطات في اي مجتمع بشري ـ نام او متقدم النمو، وصناعي أو زراعي، وشمال او جنوبي، وحضري أو بدوي، ـ لنشاطاتها طبيعة سياسية، اي انها تتوسل بوسائل لاحداث تأثير لتحقيق هدف من الاهداف، اصحاب السلطة الاقتصادية يسعون الى زيادة نشر مفاهيمهم الاقتصادية او الى زيادة ممتلكاتهم، واصحاب السلطة الثقافية يجهدون لاشاعة مفاهيمهم الثقافية التي يحتضنونها، واصحاب السلطة الفكرية يتشيعون لمذاهبهم الفكرية. واصحاب السلطة الحكومية يسعون لتعزيز وضع ومركز هذه السلطة. ومن هذه السلطات المتعددة للسلطة الحكومية الوسائل الاشد اثراً والاهداف الاكثر شمولاً. وفي صورة المجتمع البشري هذه قد تتفق الافكار المنطلقة مع الوسائل والاهداف التي تتوخاها السلطات المتعددة وقد تختلف يمكن للفكر ان ينطلق ان يتجاوز الحدود الفكرية التي بلغتها هذه السلطة او تلك ولا يضير هذه السلطات انطلاق ذلك الفكر ما دامت فحواه عامة شاملة لا تستهدف فئة معينة من فئات المجتمع. والنزعة الابوية الذكورية ايضا تتنافى مع انطلاق الفكر وحريته فهذه النزعة تسترشد في تحديد سلوك الفرد في المجتمع بقيم الاملاء والاكراه والتوجيه باتجاه واحد من اعلى الى اسفل، وهذه قيم تطوع الفكر لاعتبارات من قبيل تحديد الادوار في المجتمع، ليس وفقاً لمعايير عامة وموضوعية ولكن وفقاً للانتماء الجنسي او العائلي دون ايلاء اعتبار لعوامل الكفاءة والمهارة والتخصص الحرفي والمهني. وتكون النزعة الابوية الذكورية بطبيعتها راكدة او متحجرة او غير متغيرة «ستاتية» بينما يكون الفكر بطبيعته فعالاً ونشيطا «ديناميكيا» ولكون الفكر نشيطاً فلا مفر من ان يدخل في اي سياق اجتماعي بالمعنى الاوسع لعبارة «السياق الاجتماعي» وطبيعي، اي ان يكون الفكر في علاقة نشيطة «ديناميكية» بما ينصب ذلك الفكر عليه. والشعوب جهات معادية ومن هذه الجهات «عقلية القطيع» او «ظاهرة القطيع»، غلبة هذه العقلية معناها انعدام النزعة النقدية او كبت هذه النزعة فلا تتجلى او تتجسد في السلوك، شيوع عقلية القطيع قد يجعل الناس متحايلين او مراوغين او منافقين، وتتصرف بعض الشعوب بعقلية القطيع، ليس بالضرورة بسبب الاقتناع الفكري ولكن طلبا للمنفعة وخوفا من مغبة الاختلاف والخلاف وفي حالة شيوع هذه العقلية قد يصبح الذين لديهم الجرأة على الاعراب عن الرأي المختلف معزولين ومهددين بالنظر الى ان المفكرين والمثقفين اكثر في المتوسط وعياَ بالقضايا المطروحة ووعياً بالعيوب الاجتماعية والثقافية، فلصفة الفكر والثقافة هذه دور اكبر في ايجاد الميل لديهم الى الاعراب عن رأيهم وبالتالي فإن هذه الصفة تسهم في تعريضهم للعزلة وللتهديد. وعقلية القطيع هذه نتاج عوامل، منها تأثير القيم الاجتماعية السائدة، وغلبة النزعة الابوية ورغبة اصحاب السلطات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في جعل الشعب يتصرف وفقاً لشكل مرغوب فيه من السلوك. بما ان العقلية الابداعية النقدية ـ التي ترافق الكاتب المفكر المبدع ـ تبعث على التساؤل والتنقيب والبحث والتشكيك والتأمل، فإن المفكرين المبدعين قد يكونون في طليعة الذين تستهدفهم السلطات الاجتماعية بالمعنى الاعم.